من أنت وماذا تريدين-زغير-مسموع
ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )

 
Reply to this topicStart new topic
> تفريغ: الصَّوارِفُ عَنِ الحَقّ للشّيخ " أبي أُويس رشيد الإدريسي"
طالبة رضا الله
المشاركة Jan 19 2013, 23:29
رابط المشاركة #1


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 263
التسجيل: 27-March 08
البلد: المغرب
رقم العضوية: 6,436







هذا تفريغ لمحاضرة ألقاها الشيخ أبو أويس رشيد الإدريسي حفظه الله بغرفة ماروك إسلام علم و عمل

للتحميل أو الاستماع




هنا



إن الحــــمد لله تعالى نحــــمده و نستعيــــــنه و نستغفـــــره و نعـــــوذ باللّــــــه من شرور أنفســـنا ومن سيئـــــات أعمــــالنا من يهــــده الله فلا مضـل له و من يضـــلل فلا هــــادي له و أشـــــــــــهد أن لا إله إلا الله وحـــــــده لا شريــك له وأشــــهد أن محـــمداً عـــــبده و رســـــــوله صــلى الله عليه و آلــــه و أصـــحابه و ســــــــلم


أما بعد،
فإن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار.



مقدمة

موضوع لقائنا اليوم بعنوان "الصوارف عن الحق" فما أجوجنا الى معرفة الأمور التي تصرف الناس عن الحق في زمن الفتن خاصة، فأقول و بالله التوفيق و منه العون و التحقيق يقول الله عز و جل: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم:30]، هذه الآية الكريمة تنضح ببيان أن الله عزو جل خلق الناس على فطرة نقية مستقيمة قويمة، لا اعوجاج فيها، و هذا يدل على أن الله عز و جل خلق القلوب على محبة الحق و إرادته، استناداً إلى هذه الآية الكريمة، فالله عز و جل خلق القلوب على محبة الحق و إرادته أصالةً، فلازم ذلك أن الله عز و جل خلق العقول على محبة الحق و إرادته أيضاً، ذلكم لأن العقل محله القلب على الصحيح من قولي الفقهاء، و هو مذهب الجمهور منهم، و قد استندوا في ذلك الى قول الله عز و جل { لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج:46]، حيث أسند الله تبارك و تعالى العقل الى القلب، و استندوا كذلك إلى أثر عمر رضي الله عنه و أرضاه في وصفه لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال في وصفه: له قلب عقول، كذلك أسند عمر رضي الله عنه و أرضاه العقل الى القلب، و عليه اذا قلنا أن الله تبارك و تعالى قد خلق القلوب في الأصل على محبة الحق و إرادته فلازم ذلك أن الله عز و جل خلق العقول على محبة الحق و إرادته أيضاً، لما ذكرناه من أن العقل محله القلب و هذا مذهب الجماهير كما قلت، قال الناظم:
محله القلب على المشهور للوحي وهو مذهب الجمهور
وفي الدماغ قال جل الحكما وبقولهم قال بعض العلما

الشاهد و المقصود أن قول الله تبارك و تعالى { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم:30]، فهذا يدل على ان الله تعالى خلقنا على فطرة نقية سوية مستقيمة قويمة، و أن الله عز و جل خلق هذه القلوب أصالة على محبة الحق و إرادته، و لذلك فإن الشريعة توافق الفطر النقية، يقول أرباب المقاصد: الشريعة وفق الطبيعة، و يقصدون بالطبيعة هنا الفطرة، إذن ربّنا عز و جل خلق القلوب في الأصل على محبة الحق و إرادته، فإن الحق أبلج و إن الباطل لجلج، و لذلك يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمة الله عليه: و القلب خُلِق يحب الحق و يريده و يطلبه، و هذا الكلام من شيخ الاسلام بن تيمية عليه رحمة رب البرية يؤكد ما قلناه و يبيّن ما قررناه من أن الله سبحانه و تعالى خلق القلوب في الأصل على محبة الحق و إرادته، و خلق العقول كذلك في الأصل على محبة الحق و إرادته، و هذا ما اصطلح عليه العلامة المعلم اليماني رحمة الله عليه بالعقل الفطري، أي الذي بقي على أصل فطرته نقياً صفياً.
إذا كان الله عز و جل قد خلق القلوب على محبة الحق و إرادته و خلق العقول على محبة الحق و إرادته في الأصل، فما الذي يصرف الناس عن هذا الحق، حيث يصير الناس بمبعدة عن الحق مع أن الحق أبلج و الباطل لجلج، و ما الذي يُبعدنا عنه و يجعلنا بمبعدة عن رياضه، فهذا يُلزمنا و يلح علينا بأن نبحث عن هذه الصوارف، حري بنا أن نعرف هذه الصوارف التي تصرفنا عن الحق و تحملنا على البعد عنه و دخول مستنقع الباطل عياذاً بالله تعالى من ذلك، حري بنا ان نعرف الصوارف عن الحق عموماً، لكن يتأكد معرفتنا لهذه الصوارف عن الحق زمن الفتن، لأن زمن الفتن هو زمن اضطراب و زمن افتضاح و حيرة، ، فحري بنا عند ذلك أن نعرف هذه الصوارف حتى نكون بمبعدة عنها، بحيث تعيننا معرفتنا لهذه الصوارف على الوقوف عند الحق و معرفته حق المعرفة و التمسك به، بل العض عليه بالنواجذ، ، يفتضح كثير من الخلق زمن الفتن، و لذلك زمن الفتن هو زمن الامتحان و زمن الاختبار و هذا يوافق أصل لفظة الفتنة و يُخطئ مَن يظن أن الحالة لا نَسِمُها بالفتنة إلا إذا وصلت الى حد الدماء، و هذا رده شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله في نص معروف له، الاختلاف فتنة و التنازع فتنة، زمن الفتنة تُختبر فيه الأنظار و تختبر فيه الأفكار و تختبر فيه المناهج، و رحمة الله على الامام بن بطة العكبري حين قال: إن هذه الفتن و الأهـوَاء، قد فضحت خلقاُ كثيراً، و كشَـفَت أستَـارَهُم عن أصُـول قَبيحَة، فإن أَصوَن النـاس لنفسه ؛ أحفظهم للــسانه، و أشغلهم بدينه، و أتركهم لما لا يعنيه. و في نحو هذا الكلام قال و ذكر الامام الآجوري رحمة الله عليه في كتابه "الشريعة"، فانحرافنا عن الحق بسبب صوارف.

الصوارف عن الحق:

1- الجهل: أول الصوارف عن الحق، البعد عن العلم، البعد عن النور، لأن العلم نور، كان الامام مالك رحمه الله يقول: العلم نور يقذفه الله في قلب العبد، بعض الناس اتكلوا على كلمة الإمام مالك رحمة الله عليه لما قال: العلم نور يقذفه الله في قلب العبد فقعدوا عن التعلم، الإمام مالك رحمة الله عليه فقعدوا عن التعلم، الإمام مالكٌ رحمة الله عليه في كلمته هذه يصف حقيقة العلم و أنه نور و ما يتكلم عن طريقة تلقي العلم، و إلا فقد قال النبي صلى الله عليه وآله و سلم كما في صحيح الجامع: إنّما العلم بالتّعلم. إذن فالعلم يكون بالتّعلم، و الجهل صارف يصرف الناس عن الحق، و الذي يعين الناس على الوقوف عند الحق و التمسك به هو العلم، و لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله كلمةٌ في مجموع الفتاوي نفيسة جدا يقول رحمه الله: فإذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن، وحدثت البدع والفجور، ووقع الشر بينهم. اشار الى العلم،لأن نور النبوة العلم، الأنبياء لم يورثوا ديناراً و لا درهماً و لكن ورثوا العلم، فنور النبوة هو العلم، وقع الناس في ظلمة الفتن و حدثت البدع و الفجور و وقع الشر بينهم بسبب البعد عن العلم، و لذلك كان الجهل من أعظم الصوارف عن الحق، و لذلك الحريص على نفسه و دينه ينبغي أن يبتعد عن الجهل و ينبغي أن يتعلم، فالعلم نور و من ميزات النور أنه يكشف لك الأمور، قال الإمام أحمد : وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها. وقوع الخلاف و المخالفة للحق المبين بسبب الجهل، كلما ضعف علم الانسان و كلما كثر جهله فهذا من دلائل بعده عن الصواب ،و ما دلت عليه السنة و آي الكتاب، السلف رضوان الله عليهم إذا تكلموا عن العلم و أطلقوا الكلام عن العلم يقصدون العلم مع الفهم لأن كثيراً من المتأخرين باينوا بين العلم و الفهم، و تحدث عن هذا جماعة من أهل العلم منهم بن خلدون رحمة الله عليه في المقدمة، و تكلم عن ذلك العلامة صديق حسن خان القنوجي رحمة الله عليه في "أبجد العلوم"، و يقصد به آخرون من أهل العلمِ العلمَ مع الفهم و الملكة، العلم عندهم هو دلالة اللفظ أي ما يُعرف عند علماء الاصول بالمنطوق أي ظاهر الكلام ، فيطلق عليه كثير من المتأخرين اسم العلم و عندهم الفهم. إذا كان العلم دلالة اللفظ، فالفهم دلالة اللحظ، ما يُلحظ وراء الكلام و يفهم منه، و فرقوا بين العلم و الفهم و الملكة، الملكة شيء أكثر من الفهم و أعلى مقاماً منه، لا يصل المرء و طالب العلم خاصة إلى درجة الملكة إلا بالممارسة لكل من العلم و الفهم، لكن من دلالة اللفظ و دلالة اللحظ، و لذلك يقول شيخ الاسلام بن القيم رحمه الله كما في طريق الهجرتين: المزاولات تعطي الملكات. تتحقق الملكة في العلم بالمزاولة و بالممارسة، إذن ينبغي أن نحرص على العلم حتى نُوفق للتمسك بالحق و لمعرفته أصالةً، نحتاج الى العلم لكن مع الفهم، فديننا دين علم و فهم، لا دين جهل و وهم، و الفهم نعمة من نعم الله عز و جل.
العلم يحتاج الى أمانة في مثل أزمنتنا هذه، في زمن الفتن و المحن تقل الأمانة في العلم و تضعف، و لذلك ما أحوج طلاب العلم خاصةً إلى الأمانة في العلم، و في ذلك يقول العلامة محمد الخضر حسين رحمة الله عليه في "رسائل الإصلاح": من تكلم في العلم بغير أمانة فقد مس العلم بقرحة، و وضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة. إذا تكلمنا في العلم بغير أمانة ابتعدنا عن فلاح هذه الأمة و عن تحقق عزها و مجدها، فالله الله في العلم. صدر العلامة صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى كتابه "هذه مفاهيمنا" كلمة متيبة حيث قال: إن الفتن في هذا الزمان تتابعت و تنوعت و تكاثرت ، فمنها الفاتن للجوارح ، و منها الفاتن للقلوب ، و منها الفاتن للعقول و الفهوم ، و قد خاض أناس في الفتن غير مبالين.

2- اعتقادغموض الحق و اشتباهه: مر معنا أن الحق أبلج و أن الباطل لجلج، الحق بين، و لا يشترط إلا أن تسلك المسلك الصحيح فيه فتصل إليه، لكن البعض يعتقد أن الحق غامض لا يمكن الوصول إليه، و أنه مشتبه، نعم في بعض آيات الكتاب اشتباه، لكن الاشتباه في الشريعة قليل و أغلب نصوص الشريعة محكمة، و وجود بعض النصوص مشتبهة فهذا للامتحان و للإخبار و لا يُتصور أن تكون أغلب نصوص الشريعة متشابهة، إذا كانت أغلب نصوص الشريعة متشابهة إذن فلا توجد شريعة! أغلب نصوص الشريعة محكمة، هناك بعض النصوص فيها اشتباه لامتحان الناس و لاختبارهم، و كما يقول العلامة السعدي رحمة الله عليه : ومنه محكم ومتشابه، من جهة أن متشابهه ما كان فيه إجمال أو احتمال لبعض المعاني. ومحكمه، واضح مبين صريح في معناه، إذا رد إليه المتشابه، اتفق الجميع، واستقامت معانيه. الشاهد أن البعض أصالة يعتقد أن الحق لا يمكن الوصول إليه لأنه مشتبه و هذا باطل، و بذلك يُصرف عن الحق، كيف سيصل الى الحق و هو يعتقد أن الحق غامض مشتبه متشابه، لا يمكن الوصول إليه، قال أبو اسحاق الشاطبي رحمة الله عليه: أما إذا كان هذا المتّبع ناظراً في العلم ومتبصراً فيما يلقى إليه – كأهل العلم في زماننا - ، فإن توصله الى الحق سهل. أراد الشاطبي أن يقول أن الوصول إلى الحق سهل لكن لابد من سلوك المسلك الذي يوصلك الى هذا الحق، إذن أول شرط هو نظرك في العلم، وصولك للحق أول شرط فيه أن يكون نظرك ابتداءً في العلم ، لا في الواقع، الواقع ليس حاكماً و انما محكوم عليه، أحيانا في بعض البحوث و في بعض كلمات بعض الناس يُجعل الواقع هو الحاكم، و هذه مزلّة، بدعوى أنه لابد أن نفقه الواقع، و فقه الواقع تداوله الناس بين مُفْرِط و مُفَرِّط، و المسألة تحتاج إلى نظر دقيق، الشاهد أن الواقع لا يمكن أن نجعله حاكماً، الواقع محكوم عليه، العقل محكوم عليه، ليس بحاكم، التجربة محكوم عليها، المنامات محكوم عليها و الأذواق محكوم عليها، الحاكم هو العلم القائم على كتاب الله عز و جل و على سنة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، و على فهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم و فهم الائمة، الحاكم هي القواعد الشرعية و الضوابط المرعية، إذن نظرك ابتداءً حتى تصل الى الحق، الحق ليس بغامض، ليس بمشتبه، يُمكن الوصول إليه لكن ليس بهذا الشرط ابتداءً، و التبصر هو العلم و الفهم، مشكلة الناس خاصة زمن الفتن، كل ما يُلقى اليك تقبله { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }، هذا قد يحصل لعموم الناس، لكن معيب أن يحصل لطلاب العلم، المشكلة أن بعض الطلاب يتقممون الأقوال و الفتاوى، هذا دين فطالب العلم ينبغي أن ينظر في الأقوال و في الفتاوى و العبرة بالدليل، أما أن تقبل كل قول يُلقى اليك بدعوى أن القائل فلان أوعلان، هذا معيب في طلاب العلم. لا شك أن للعلم أمارات و قرائن، لا شك على أن للحق علامات، لأن الحق أبلج و الباطل لجلج، لكن عندما تصل إليه تظهر لك أمارات الحق، لأن الحق نور.

3-اعتقاد المبطل أنه على الحق: الإنسان و هو على الباطل يظن أنه على الحق، هذا الصارف قد يُشكل، فقد يقول قائل أن كل واحد يعتقد نفسه أنه على الحق، فكيف نخرج من هذا الاشكال؟
ينبغي أن نفرق بين حالتين اثنتين:
• التمسك بالحق بدليله.
• التمسك بالباطل و يظن أنه حق لكن أقام أمره على التزيين لا على الدليل.
ينبغي أن نفرق خاصة زمن الفتن بين الدليل و التزيين، إذا كان المرء قد أقام أمره على الدليل، إذن فهو يعتقد نفسه على الحق لأنه أقام أمره على الدليل. المبطل الذي أقام أمره على التزيين، على المتشابهات، لم يُقم أمره على الدليل و البرهان و إنما أقامه على التزيين و على التخمين، فكون الانسان لم يُقم أمره على الدليل و البرهان فإنه يُصرف عن الحق لأنه يظن نفسه أنه على الحق مع أنه لم يتثبت مما هو عليه و مما يعتقده، و لذلك الانسان ينبغي أن يكون صادقاً مع نفسه فيما يأخذ به و فيم يعتقد. يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله: أول من ضل في ذلكهم الخوارج. الخوارج و هم على الباطل اعتقدوا أنفسهم على الحق، يقول الشاطبي في الاعتصام: لا تظنن صاحب البدعة ليس له مستمسك من دليل لكن وجه الاستدلال بهذا الدليل باطل. العبرة بوجه الاستدلال،يقول العلماء ليست العبرة بالدليل و إنما بغايته، و ليس المقصود أننا لا نتمسك بالدليل ، بل أن الغاية من الدليل هو وجه الاستدلال منه، يقول شيخ الاسلام عند حديثه عن هذا الصارف: وأول من ضل في ذلك هم الخوارج المارقون، حيث حكموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنته. حتى الخوارج ادعوا أنهم على الكتاب و السنة، و ليست العبرة بالادعاء و لكن البينة على المدعي كما في الحديث، و ليست العبرة بصحة الاستدلال بهذا الدليل و أهل السنة و الحديث لهم منهج في الاستدلال ينبغي أن يُعلم خاصة بالنسبة لطلاب العلم، ينبغي أن يعلموا منهجية الاستدلال عند أهل السنة حتى تكون استدلالاتهم بالنصوص الشرعية صحيحة على وفق مراد الله عز و جل و على وفق مراد رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، و على فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، لأننا صرنا خاصة في زماننا هذا نرى استدلالات و استنباطات حري أن توصف باستنباطات صبيان.

4-التفريط في تحري الحق: من أسباب كون المرء يُصرَف عن الحق و لا يصل إليه أنه يفرط في الوصول إليه أصالةً، لا تجد المرء مع نفسه صادقاً في الوصول إلى الحق، و هذا قد يقع لبعض العلماء، فما بالك بمن هم دونهم، كما نص على ذلك شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله في "رفع الملام". ينبغي أن تكون صادقاً في طلب الوصول إلى الحق، لابد من التقصي ولابد من الاستيفاء أحيانا تُطرح مسألة و يعلم الإنسان أن فيها خلاف، فيقرأ بعض الكلام و يترك الكلام الآخر و لا تجده يستوفي كلام أهل العلم، تجد مسألة فيها فتاوى متضاربةً مثلاً لأهل العلم، فينقل بعض الفتاوى و لا ينقل الفتاوى الأخرى، هذا قد يكون سبباً في التفريط في تحري الحق، لابد أن تستوعب كلام أهل العلم ثم بعد ذلك ياتي باب الترجيح بضوابطه و شروطه، يقول بن تيمية رحمه الله: إنما دخل في البدع مَن قَصّر في اتباع الأنبياء علماً و عملاً. التفريط في تحري الحق يوصلك الى الوقوع في البدعة، و تُصرف عن الحق و تصير بمبعدة عنه، فالله الله في استيفاء الوصول الى الحق حتى تصل اليه.

5- حب الرئاسة: قال بعض السلف : من طلب الرئاسة وقع في الدياسة. و المراد بالدياسة المذلة، و ينبغي أن نفرق بين حب الرئاسة في العلم و بين حب الإمارة في العلم، حب الإمارة في العلم هذا أمر محمود و حب الرئاسة في العلم هذا أمر مذموم، فحب الرئاسة في العلم هو حب مجرد الترأس و أن يُقال فلان و علان و له أمارات و قرائن تظهر على الإنسان، يكون القصد من ذلك الاستطالة على عباد الله و الإستعلاء عليهم، أما حب الإمارة في العلم، فبعد تحقق الأهلية أن يتصدر الإنسان بصدقٍ و اخلاصٍ، و قصده بذلك نفع نفسه و نفع غيره و رفع الجهل عن نفسه و غيره. قال الإمام أحمد: "العلم لا يعدله شيء لمن صحّت نيته"، قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي رفع الجهلَ عن نفسه وعن غيره. اذن الانسان يحب الرئاسة في باب العلم فلا ترضيه إلا الكلمة التي يحبها، أما الحق فهو بمبعدة عنه، فيُصرف عن الحق، ما أعظم هذا الصارف و ما أضره على النفوس، و ينبغي أن نحذر منه كل الحذر و لا نغتر. وقال الشاطبي رحمه الله آخر شيء نزولا من قلوب الصالحين: حب السلطة والتصدر. قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله: و طالب الرئاسة و لو بالباطل تُرضيه الكلمة التي فيها تعظيمه و إن كانت باطلاً. ترضيه الكلمة و لو كانت باطلاً و لذلك اعتبر أهل العلم حب الرئاسة من الصوارف عن الحق.

6- التقليد المذموم و التعصب: و هذا نوع من التدقيق في الكلام و القصد لأن هناك تقليد جائز، قد تُطلق لفظة التعصب عند الاطلاق فتنصرف إلى المذموم، كونك تقول أتعصب للحق، إذن أنت تقيد، قال بن أبي دين الحنفي: فرق بين التعصب للمذهب و الصلابة في المذهب. الصلابة في المذهب هي التي يُقال فيها أتعصب للحق، أتعصب للكتاب و السنة، هذه صلابة، أقمتَ أمرك على الدليل كما مر معنا، لا على التزيين، إذن أنت متعصب، هذه صلابة في الحق، يعبر عنها العلماء بالصلابة في المذهب و هذه محمودة، لكن التعصب في الاطلاق تنسحب على المذموم، قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله: الاجتهاد جائز في الجملة و التقليد جائز في الجملة، أن يظهر للمرء الحق و يقلد فلاناً أو المذهب الفلاني فهذا تقليد مذموم، يقول العلامة السعدي رحمة الله عليه: من اعتاد الجري على أقوالٍ لا يبالي دل عليها دليلٌ صحيحٌ أو ضعيفٌ أو لم يدل، يخمد ذهنه بطلب الرقي.
يُلقى الكلام و تُلقى الفتاوى، و أنت طالب علم بدون أن تدقق في الكلام و دون طلب وجه الاستدلال، لكن تقبل الكلام فتجعل قلبك مَقراً للشبهات، لأنك تعودت أن تقبل الكلام على عواهنه دون طلب البينة و الدليل و البرهان، و قال السعدي في بعض نصوصه: فإن التعصب مُذهِب للإخلاص، مزيل لبهجة العلم، مُعمٍ للحقائق، فاتح باب الحقد والخصام الضار. اذا كان التعصب معمياً للحقائق فسيصرفك عن الحق، إذن إذا ألقي إليك الكلام لابد أن تتثبت و تتبين لأن هذا الأمر دين.

7- العُجب و الكِبر: قال عمر بن الخطاب: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، ومن قال : أنا عالم فهو جاهل ، ومن قال : إني في الجنة فهو في النار. العجب من المهلكات و الكبر يخرج من رحم العجب كما قال السلف، إذا أُعجِب المرء بنفسه و بقوله و برأيه تكبر، قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله: ألا ترى أن الذي يُعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله و لو كان خطا! و قال النبي عليه الصلاة و السلام: الكبر بَطَرُ الحقِّ وغمط الناس. بطر الحق أن يرُده استكباراً و استعلاءً و غمط الناس أي احتقارهم و الاستهزاء بهم. "سئل الفضيل بن عياض- رحمه الله عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق، وينقاد له ويقبله ممن قاله، ولو سمعه من صبي قبله، ولو سمعه من أجهل الناس قبله. يأتيه الحق بيناً بدليله و برهانه، لكن يتكبر على ذلك لأن ذلك الحق لم يأت من عنده أو من طائفته أو من جماعته، الواجب أن نتمسك بالحق بغض النظر عن قائله فالعبرة بالدليل لا بالقائل. ما دام الحق قد بان فالواجب التمسك به سواء جاء منك أو من غيرك و إلا فالتكبر عن الحق معيب.

8- الذنوب و المعاصي: مر معنا في مستهل هذه الكليمة أن العقل محله القلب على الصحيح و هذا مذهب الجمهور، و الحق يحتاج إلى إدراك و الإدراك يحتاج إلى تعقل، و تعقلك للحق يحتاج إلى تصور، و لذلك قال أهل العلم: الحكم على شيء فرع عن تصوره. لا يمكن أن تحكم على شيء و أنت لم تتصوره، لابد من تصور المسألة ثم الحكم عليها، التصور له ارتباط بالعقل، تصور الشيء محله الدماغ، و و الدماغ له تعلق بالعقل الذي محله القلب فهناك علاقة بين الدماغ و بين العقل، و محل التصور الدماغ، فإذا فسد العقل فسد التصور الذي في الدماغ لأن هناك علاقةً بين الدماغ و التصور، فإذا فسد عقلك فسد تصورك الذي في دماغك، و إذا فسد التصور فسد الحكم لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذن فأصل ذلك فساد العقل، هذا العقل الذي هو في القلب، و مما يفسد القلب الذنوب و المعاصي، و إذا فسد القلب فسد العقل لأن العقل محله القلب، و الذنوب تُفسد القلوب كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه و آله و سلم: "إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة في قلبه". و النكتة بمعنى نقطة وزناً و معنىً، أخبر النبي عليه الصلاة و السلام في هذا الحديث على أن الذنوب تؤثر في القلوب. قال عبد الله بن مبارك رحمه الله:
رأيت الذنوب تميت القلوب * * * وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب * * * وخير لنفسك عصــيانها

إذا فسد القلب فسد العقل، و اذا فسد العقل فسد الدماغ، فيفسد التصور فيفسد الحكم، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، و إذا فسد حكمك معناه أنك صُرٍفت عن الحق، و لذلك اعتبر العلماء رحمهم الله تعالى الذنوب من الصوارف عن الحق، قال الامام بن القيم رحمة الله عليه: الطاعة نور و المعصية ظلمة و كلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع و الضلالات. كلما قويت الظلمة في القلب بسبب المعصية، ازدادت حيرة هذا العقل حتى يقع في البدع و الضلالات فيُصرف عن الحق. إذن الذنوب و المعاصي تصرفنا عن الحق خاصة زمن الفتن، زمن الفتن تكثر فيه الذنوب و المعاصي حتى من طلاب العلم لأن زمن الفتن زمن تشويش و هذا هو السر في أن النبي صلى الله عليه وآله و سلم حث على التعبد زمن الفتن كما في صحيح الامام مسلم: "العبادة في الهرج كهجرة إلي". يقول أبو بكر بن العربي في عريضة الأحودي أن كون العبادة زمن الفتنة لها هذا الفضل أن أفراد من الناس فقط من يحرصون على عبادة الله زمن الفتن، و أغلب الناس ينصرفون عن العبادة فيقعون في الذنوب و المعاصي، فيقع التشويش فيفسد التصور فيفسد الحكم، أذن الذنوب مؤثرة على القلوب، الذنوب تصرفنا عن الحق الابلج بخلاف الطاعة، فالطاعة نور، قال الشافعي:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلـْمَ نُورٌ *** ونورُ الله لا يؤتى لعاصي

و ولما جلس الشافعيّ الإمام بين يدي شيخه وأستاذه الإمام مالك جلسة التلميذ، أُعجب الإمام مالك بما جادت به قريحة الإمام الشافعيّ من الفقه فقال له: إن الله قد قذف في قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية.

9 - الغفلة عن سؤال الهداية : الإنسان يغفل عن سؤال الهداية فالذي يهدي إلى الحق هو الله , ومع ذلك فالمسالك التي توصل إلى الحق ما هي إلا أسباب , لكن التوفيق بيد الله فهو الموفّق { وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}˛ ولم تأت لفظة التوفيق ـ أي أصل هذه الكلمة ـ في القرآن بمعنى المعونة إلا في هذه الآية وما أحوجنا إلى التوفيق , فقد يقول القائل المفروض أن يأتي الحديث عن التوفيق كثيرا في القرآن , لهذا قال ابن القيم لأن التوفيق عزيز , فمن الصوارف عن الحق الغفلة عن سؤال الهداية الأمر بيد الله عز وجل , يقول ابن القيم رحمة الله عليه : ـ إذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم ـ فأنت تريد أن تصل إلى الحق و لم تجد من ينصحك بعلم وبحلم ـ فارحل بهمتك من بين الأموات وعليك بمعلم إبراهيم ـ الله جل وعلا ـ , لهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية كما حكى عنه تلميذه كان إذا استشكل عليه أمر قال يا مفهم سليمان فهمني ويا معلم إبراهيم علمني ... فلابد من اللجوء إلى الله عز وجل كي يسدد قولك وفهمك, إذن فالغفلة عن سؤال الهداية بنظره بفكره وببحثه ويغفل عن سؤال ربه التوفيق...


-10 ترك هداية الناس للحق : إذا وفقك الله تعالى لعلم نافع , فاحرص على تبليغ ذلك العلم وكل بحسبه , بحيث لا يتجاوز الإنسان قدره , فكون الإنسان يترك الدعوة إلى ما علمه الله عز وجل فهذا سبيل لكي يُصرف عن الحق , وفقك الله لما وفقك إليه فتنصرف عنه وتُشغل بشيء آخر فيكون هذا سبيل لتُصرف عن الحق عياذاً بالله , وهذا هو سر جعل المسألة من الصوارف , فقد يقول بعضكم لماذا فهذا هو السبب تحت قاعدة الجزاء من جنس العمل , وُفقت لحق ما لم تدع الناس إليه فتُصرف عنه كما تدين تدان , ولذلك أثر عن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه أنه قال : ـ من بخل بالعلم ابتلي بذهاب العلم ونسيانه ـ , لذلك إذا كنت صاحب علم أو طالب علم فاحرص واحذر أن تُصرف عن العلم وعن الدعوة إلى شيء آخر .

-11 الإلف والعادة : أنت ألفت مسألة ما اعتدتها مع أن الحق في خلافها, أما إذا أقمت أمرك على العلم والدليل فاحرص على التمسك بذلك واحذر أن تغير موقف دون حجة ولا بيّنة , كأن تقوم بمسألة ألفتها واعتدتها ولما واجهوك بالعلم صُرفت عنه وعن هذا الحق لما اعتدته وألفته وأكثر الناس على هذا الصارف , كما بيّنه ابن القيّم في دار السعادة ,فيقول رحمة الله عليه : ـ فدين العوائد هو الغالب على أكثر النّاس فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثانية , إذن فهذا حال أغلب الخلق دين مبني على العادة, فيجب أن يكون مبناه على الدليل .
وتعجبني كلمة تكتب بماء العيون ذكرها الحافظ الغزالي في المستصفى وهو يتكلم عن خطورة الاعتياد وإلف الأمور قال : والخروج عمّا اعتاده المرء صعب شديد والنفوس منه نافرة .... إلى أن قال: والخروج عن العادات كفطم الولد عن حليب أمه
وما حارب الأنبياء إلا العادات بسبب الشرك والكفر والخروج عن الجادة , فلذلك يجب إقامة الأمر على الدليل .


-12 رد الحق : فإذا وصلك الحق , قل سمعنا وأطعنا لابد من الخضوع , فالبعض يرد الحق والجزاء من جنس العمل كما مر , يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة : دل الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل ، فأنت بعلمك لكنك رددته ولم تتمسك به , كما قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة يعاقب الإنسان بتقلبه القلب عياذا بالله , يقول العلامة الكبير المعلم اليماني : فأما من كره الحق واستسلم للهوى فإنما يستحق أن يزيده الله ضلالاًـ كره أي رده واستسلم لهوانه لأن اتباع الهوى مآله الهوان , كما تدين تدان .

-13 اشتمال الباطل على شيء من الحق : وهذه ما يعقلها إلا العالمون , فهذا الصارف وحده يحتاج إلى محاضرة , فالكون كما يقول العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام :ـ فالكون لا تجد فيه الخير المحض إلا نادراً , ولا تجد فيه الشر المحض إلا نادراً ، أغلب الموجودات فيها خير , فتقع الموازنة الخير بغلبة خيره والشر بغلبة الشر ، إذن فيقد يعتقد الإنسان مسألة ويستمسك بدليل , لكن ذلك الدليل لا يصح الاستدلال به على تلك المسألة لأن فيها اشتباه , فيغتر الإنسان بذالكم الحق في ذالكم الباطل ولا ينتبه إلى بطلانه , فهذا الذي يعرف عند العلماء بالاشتباه , لذلك السلف قالوا : القلوب ضعيفة والشبه خطافة , كما أثر عن الثوري وجماعات ونقل ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال عقب ذلك على هذا تحذير السلف , فكيف تُزال هذه الشبه مع ضعف القلوب بالعلم , ونضرب مثالا لهذا الصارف ألا وهو البدعة الإضافية , كما تعلمون قسم الإمام الشاطبي البدعة وإن كان استدرك عليه المحققون في شيء ما سأشير إليه ,فقسمها إلى بدعة حقيقية وبدعة إضافية وكل بدعة ضلالة , ويقصد رحمه الله بالحقيقية أي التي ليس لها أصل في الشريعة , أما الإضافية لها أصل و أضيف إليها ما أضيف من أمور غير مشروعة كالذكر مثلا فالذكر مشروع لكن قد أخالف الشريعة في الذكر إما في الصفة أو المكان أو العدد أو نحوها... فالبدعة الإضافية أصلها مشروعة لكن أضيف إليها أمور ليست بمشروعة لذلك سمّيت إضافية, ولذلك يغتر كثير من الناس بالبدعة الإضافية فيقول لك كيف تقول أن هذه بدعة لأنه لم ينظر إلى ما أضيف ونظر فقط إلى الأصل لذلك زلّ جمع من أهل العلم في هذا الباب , وقرروا ما يسمى عندهم بالبدعة الحسنة , واستدراك العز بن عبد السلام وغير العز وفي كلام العز تفصيل ليس هذا محل بسطه , الشاهد أن الشاطبي لما قال البدعة الإضافية بعض المحققين المعاصرين استدركوا عليه هذا الاصطلاح ولم يستدركوا عليه المضمون إنما فقط الاصطلاح , قالوا البدعة الحقيقية التي ليس لها أصلى الأولى أن تسمى البدعة الذاتية , لأن البدعة الإضافية أيضا حقيقية , إذن فالبدعة الإضافية هي مثال لهذا الصارف الذي هو اشتمال الباطل على شيء من الحق . لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :ـ الباطل لا يظهر لكثير من النّاس أنه باطل لما فيه من الشبهة ـ , لذلك النظر ينبغي أن يكون مستويا ولا ننظر من زاوية ويبني الإنسان على استنباطات الصبيان , فينبغي أن يكون تصوّر الإنسان من جميع الجوانب ويحذر الإنسان ما يسميه علماء النوازل بالتعضية تنظر في هذه وحدها وفي هذه وحدها وتريد أن تعطي حكما , فهذا خطأ في النظر والاستدلال . وفي الكلام عن الشبهة كلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية وقد نقله عنه تلميذه ابن القيّم في مفتاح دار السعادة , كان الإمام ابن القيم رحمه الله يورد على شيخه الكثير من الإشكالات التي هي شبه ويجيب شيخ الإسلام ابن تيمية من أوجه , فلاحظ شيخ الإسلام ابن القيم أن تلميذه ابن القيم يكثر من هذه الإرادات فخشي عليه فوصاه بهذه الوصية وما أعظمها من وصية وما أحوجنا إليها , قال له : ـ لا تجعل قلبك للإرادات و الشبهات مثل السفنجة فيتشربها , فلا ينضح إلا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته , وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقرا للشبهات ـ وهذا هو القلب الذي نحتاجه زمن الفتن قلب يتسم بالصفاء والصلابة مع حياة وليس صلابة مع قساوة , أما صفاء القلب فيكون بالعبادة وصلابته بالعلم , لأنه إذا صار قلبك مقر للشبهات لسانك ينطق بذلك وإذا صارت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع , سواء كانت أصول حق نطق اللسان بالحق أو كانت باطلة نطقت الألسن بالباطل .
قال رحمه الله : ـ وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقرا للشبهات ـ , وقال ابن القيم رحمه الله عقب هذه الوصية : ـ فما اعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك ـ , وهذا كلام ابن القيم رحمه الله وهو يبين فيه عظم هذه الوصية التي أوصاه شيخه بها , إذن فاشتمال الباطل على شيء من الحق هذا من الصوارف .

-14 خُلطة أهل الباطل : قد يخالط الإنسان أهل الباطل ليبين ليأمر ولينهى , لأن النهي عن خُلطة أهل الباطل من باب سد الدرائع كما يقول أهل العلم , وما نُهي عنه سداً للدرائع مباح للمصلحة الراجحة, لأن الصاحب ساحب فيُورّثك البدعة والشبهة , ولذلك قال بعضهم ناظما : واجتنبِ الاخدعنِ المبتدعِ فربما تبلى بحب البدع , هناك استثناءات وهذا ليس على إطلاقه...لكن نتكلم عن الأصل الذي أصبح يمر به كثيرٌ من الناس, لأن القلب إذا أُشرب البدع بسبب صحبة أصحابها وأربابها هذا وبال على صاحبه. يقول ابن تيمية رحمه الله : ـ إن الشرائع أغذية القلوب فمتى ما اغتدت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن تكون بمنزلة من اغتدى بالطعام الخبيث ـ وقال كذلك ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء : ـ إن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة وينازع الرسل ما جاءوا به عن الله وأنها تورث القلب نفاقاً ولو كان نفاق الخشية ـ , وقال أيضا رحمه الله في موضع آخر في الاقتضاء وهو يتكلم عن خطورة أهل البدعة : فمن تدبّر هذا علم يقيناً ما في حشو البدع مثل السموم المضعفة للإيمان, ولهذا قيل أن البدع مشتقة من الكفر فالحذر الحذر من البدعة ومن صحبة أصحابها دون قيد ولا شرط ودون ضوابط والبعض يستهين بالبدع الصغار، وهذا خلاف منهج السلف لأن البدعة الصغيرة قد تصير كبيرة . وهذا الإمام البربهاري رحمة الله عليه في شرح السنة ، وهذا من الكتب المعتد بها عند أهل السنة ، وهذا نص كلامه قال : ـ واحذر صغار المحدثات فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً , وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع الخروج منها فعظمت فصارت ديناً يدين بها فخلاف الصراط المستقيم ـ هذا نص كلام الإمام البربهاري , لأن البدعة تثمر الشبهة فقد مر معنا الكلام عن الشبهة فالقلوب ضعيفة والشبه خطّافة فالقلب إذا صار مقراً للشبه لا ينضح إلا بذلك , ويعجبني ما ذكره الإمام أبو بكر بن العربي المالكي شيخه أبي حامد الغزالي وتعرفون أبي حامد دخل علم الكلام والفلسفة وتاب في آخر حياته رحمه الله كما حكة غير ذلك كالذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية .. لكن بقي أثر ذلك, قال أبو بكر بن العربي رحمة الله عليه : ـ شيخنا أبو حامد ابتلع الفلافسة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع ـ حتى تعرفوا خطورة الشبهة التي تثمرها البدع , فصحبة أهل الباطل وخُلطتهم يورث الانصراف عن الحق , لذلك قال ابن رجب رحمه الله : ـ إن النفوس تتأسى بما تجده من أحوال أبناء الجنس ـ , وقال ابن الحاج المالكي في المدخل : النفوس تميل غالبا إلى ما يكثر ترداده عليها.

15- كثرة أهل الباطل : العبرة عند الحق بالدليل لا بالكثرة , فكثير من الناس صاروا يغترون بالكثرة , والجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك , وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : ـ لا يكون أحدكم إمّعة يقول أنا مع النّاس ـ فليوطن أحدكم نفسه أن يؤمن ولو كفرت , فالعبرة بالحق ولا تغتر بكثرة الهالكين ولا تستوحش بقلة السالكين يقول الفضيل بن عيّاض رحمة الله عليه . خاصة أهل الباطل فكثرتهم تصرف الناس عن الحق .


-16 نفور النفس : فنفسك إذا نفرت من شيء دون بيّنة لأنك لم تعتد هذا ويخالف ما اعتقدته ابتداء , لكن نفورك من الشيء بدليل هذا واجب , بل النفس الطيبة تنفر من الباطل , لذلك نحتاج إلى اعتدال المزاج , النبي عليه الصلاة والسلام نهى القاضي أن يقضي وهو غضبان لأن الغضب مشوش وقد لا تصل إلى الحق بسبب هذا التشويش , والغضب في الحديث للتمثيل وليس للتأصيل , يقاس عليه كما قال ابن القيم في أعلام الموقعين الفرح الشديد والجوع الشديد .. أي شيء مشوش , فنحتاج إلى اعتدال المزاج , ولذلك أنه هنا إلى مسألة ذكرها العلامة صالح آل الشيخ في رسالة له ماتعة سماها سمات المؤمنين في الفتن و تقلب الأحوال كان يتكلم عن العلم عن البحوث العلمية زمن الفتنة قال : ـ لا ينبغي أن يعتمد الإنسان على بحوثه العلمية زمن الفتنة إذا لم يكن قد بحث المسألة، أي بحث أصولها قبل لأنه يغلب على البحوث التي تظهر زمن الفتن يغلب عليها الغلط لأن الفتنة مشوشة خاصة في وقتنا هذا يشوش الإعلام عن الناس , وقبل أن أكمل لكم كلمة الشيخ آل الشيخ أنقل لكم كلمة أخرى للشيخ السديس حفظه الله في رسالة له نفيسة سماها التكييف الأصولي وأثره في النوازل المعاصرة : وأحيانا قد يقع بعض المفتين تحت تأثير وسائل الإعلام أو الرأي العام ويُغلّب الجانب العقلي فيقع في مزالق خطيرة بسبب عدم التقيد بالدليل الشرعي وأكثر ما يظهر هذا الخل عندما يكون المتكلم في النازلة من أهل النازلة لكن ليس له أهلية أصولية أو ملكة فقهية كما يقع من بعض غير المتخصصين في العلوم الشرعية ... وهذا كلام نفيس ولعلنا نبين المقصود منه في مناسبات أخرى إن تطرقنا إلى العلم في زمن الفتن أكثر فأكثر، يقول العلامة الشيخ آل الشيخ وهو يتكلم عن العلم : والعلم قسمان علم لا يدركه المرء ويتعلمه قبل حلول الحدث فيحيط به بما أعطاه الله جل وعلا وقد لا يحيط به , وعلم لم بحثه إلا وقت الحدث وهذا في الأغلب أنه لا يحيط بكلام أهل العلم فيه لأنه لم يتعلمه من قبل , ثم قال الشيخ آل الشيخ : فمن علم من نفسه حينئذ أنه إنما اطلع على بحوث المسائل حين حلول الأحداث فيجب عليه أن لا يثق بجودة نظره وعليه أن يطلب براءة الذمة بالرجوع إلى أهل العلم الراسخين فيه . وسر هذا الكلام هو التشويش , فينبغي أن يكون عند النظر العلمي اعتدال المزاج , أما نفور النفس فهي سبب أن يصرف الإنسان عن الحق , لذلك يقول ابن القيم رحمة الله عليه : معلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج ـ فيحتاج المرء إلى هدوء لتقرير المسائل العلمية وللنظر في العلم , ولذلك الجواهر إخوتي الكرام لا نجدها في الشاطئ بل في العمق , العمق محل الهدوء والسكون أما الشاطئ ففيه الضجيج يلعب الصبيان, فينبغي عليك تربأ عن نفسك أن يكون حالك كحال الصبيان , ارتقي عن حال الصبيان خاصة في العلم .


-17 الاعتقاد ثم الاستدلال : الواجب أن أستدل ثم أعتقد , اعتقد ما دل عليه الدليل بعد صحة الاستدلال، المشكلة التي تقع خاصة في زمن الفتن , أعتقد مسألة ثم أبحث عن دليلها , فأقع في استنباطات الصبيان, لََيُّ أعناق النصوص, لَيّ أعناق الفتاوى , هذا نتيجة الاعتقاد ثم الاستدلال , والاعتقاد ثم الاستدلال مسلك من مسالك أهل الأهواء في الاستدلال كما نص على ذلك الشاطبي رحمة الله عليه في الاعتصام , أحب أن ترجعوا خاصة طلاب العلم إلى فصل عقده الشاطبي في الاعتصام في مسالك أهل الأهواء في الاستدلال حتى يتجنبها طالب العلم , من مسالك أهل الأهواء في الاستدلال الاعتقاد ثم الاستدلال هذا الذي نذكره , والواجب كما يقول الشاطبي رحمه الله أن يفتقر العبد إلى الأدلة إبتداءً ويترك الأدلة تنضح بما فيها ويعتقد بعد ذلك , أما أن يعتقد ثم يستدل يقول الشاطبي من اعتقد ثم استدل قد جعل الهوى مقدمة النظر , ومن جعل الهوى مقدمة النظر يصرف عن الحق عياذا بالله .

18- صدور الباطل من شيخ له قبول : شيخ أو عالم أو فاضل قد يقول كلاماً باطلاً لأنه ليس هناك أحد معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم , لكن كل يؤخذ من قوله ويرد , ولذلك تعاملنا مع العلماء ينبغي أن يكون بمسلك صحيح وبمنهج مليح , نفرق بين التقدير والتقديس والتبخيس , الواجب أن نتعامل مع أهل العلم والفضل بالتقدير , مع إنزال كل منهم منزلته لأنهم درجات دون تقديس ودون تبخيس , فالتقدير يجعلك تقدر ذلك العالم لعلمه وذلك الفاضل لفضله وتنزله منزلته فلا تقع في التبخيس , وإذا تكلم بخلاف الحق ترد الحق مع معرفتك لقدره فلا تقدس فلا نقع في التقديس ولا في التبخيس , لكن التقدير هو الذي يستوجب أن نقدر صاحب العلم إذا كان صاحب علم وإذا تكلم بخلاف العلم فلا يقبل منه ذلك , البعض يغتر يقول قال بهذا فلان فالعبرة بالدليل فلان على العين والرأس لكن هل كلامه هذا عليه دليل أم لا , ولذلك يُصرف كثير من الناس عن الحق بسبب صدور الباطل من شيخ له قبول , ولذلك قال العلامة الشنقيطي رحمة الله عليه ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل من غير تعصب لمذهب معين ولا لقول قائل معين , لذلك كان علي رضي الله عنه يقول : ـ لا يُعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ـ عندما نقول لا يعرف الحق بالرجال هذا لا يعني أننا لا نأخذ العلماء وسائط لمعرفة , فالعلماء كما قال العلامة الشاطبي وسائط لمعرفة الحق, لكن قولة علي في صدد التعصب, عندما أقول لك هذا الحق، فتقول فلان فينبغي أن نفرق بين الصورتين , قضية الفرح هل يفرح المرء بخطأ العالم أم لا فهذا فيه تفصيل كما يقول الشيخ بكر رحمه الله في حلية طالب العلم تفرح بخطأ لا لإشهاره لكن لتصحيحه فهناك فرق , أما أن تفرح بالخطأ للإشهار فهذه رعونة نفس , أما لكي تصحح الأمر فهذا مطلوب وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام أهل العلم صحيح , يُستدل له لا يستدل به والعلماء وسائط لمعرفة الحق , أنقل لكم نص نفيس للعلامة المعلم اليماني في رسالته الماتعة رفع الإشتباه في بيان معنى العبادة والإله , يقول العلامة المعلم اليماني رحمه الله : ـ واعلم أن الله تعالى قد يوقع بعض المخلصين في شيء من الخطأ ابتلاءً لغيره أيتّبعون الحق ويدَعون قوله أم يغترون بفضله وجلالته وهو معذور بل مأجور لإجتهاده وقصده الخير وعدم تقصيره ـ ثم قال العلم اليماني ـ ولكن من اتبعه مغتراً بعظمته بدون التفاتٍ إلى الحجج الحقيقية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يكون معذرواً بل هو على خطر عظيم ـ , فالعالم يكون معذور، اجتهد فأخطأ فله أجر , ولكن الأتباع إذا علموا الحق واتبعوه غير معذورون.

19 - إغفال المشورة : الإنسان لا يستشير , لكن الاستشارة تكون في الأمور الخفية وليس في الأمور الظاهر كما يقول العلامة السعدي فإذا خفي الأمر لابدّ من الاستشارة وهذه هي الاستشارة التي تعينك على معرفة الحق , ولهذا قيل قديما الاستشارة استنارة .

20 - الحزبية : والكلام حول الحزبية طويل , ويحتاج حقيقةً إلى محاضرة أو أكثر , وباختصار الحزبية هي عقد الولاء على الحزب , وهناك فرق بين التجمع والحزبية , فيحتاج كما قلنا إلى محاضرة للفصل بين الأمرين وذكر الفروق , فكما قال نجم الدين إنما الفقه معرفة الفروق , فالعمل الجماعي قد يكون حزبية وقد لا يكن على حسب تلكم الشروط المعروفة عند أهل العلم , الشاهد أن الحزبية الضيقة القائمة على التعصب والقائمة على التقوقع هذه تصرف الناس عن الحق , المرء إذا كان متحزبا فإنه يعمل ضمن ضوابط الحزب , وهذه الضوابط تقيد المرء , وتقعده عن التحرر . قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ـ يجب على طالب العلم أن يتخلٌّى عن الطائفية والحزبية , بحيث يعقد الولاء و البراء على الطائفة أو على حزب معيّن فهذا لا شك خلاف منهج السلف ـ , هذا نص كلامه ونصوص أهل العلم كثيرة قديما ولعلنا نترك ذلك لمناسبة أخرى إن شاء الله تبارك وتعالى , وهذه جملة الصوارف , وحقيقة الصوراف كثيرةٌ جداً لكن هذه أهم الصوارف التي أحببت أن نتدارسها معكم .
ونسأل الله تعالى التوفيق ونعوذ بالله من بنيّات الطريق ونسأل الله جل وعلا أن يبلغنا مقامات أهل التحقيق ونعوذ بالله من مضلات الفتن ونسأل الله عز وجل أن يبصرنا بالأمور كما هي.








من تفريغ الطالبتين: أم يعقوب و ذات الخمار

خريطة الوصول للغرفة:
All Romms// Middle East //Morocco//Maroc islam 3ilm wa 3amal


Go to the top of the page
 
Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الآن لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء: