ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )

 
Reply to this topicStart new topic
> تقعيد اللغة
أبو الوقت
المشاركة Dec 14 2015, 22:06
رابط المشاركة #1


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 583
التسجيل: 6-April 11
البلد: المغرب
رقم العضوية: 31,048




بسم الله الرحمن الرحيم

تقعيد اللغة

توطئة:
جاء الإسلام واللغة العربية مستكملة أدوات التعبير، ولها تراث أدبي حافل مفصح عن شتى المشاعر الوجدانية والاجتماعية، قد اتفقت الكلمة على الاعتداد بهذا التراث والإعجاب به منذ عصر الجاهلية حتى اليوم. والعرب أمة فصاحة وبلاغة تتأثر بالبيان الرفيع والجملة الوجيزة الموحية، وكانت أسواق العرب في جاهليتها قد قامت بالاصطفاء من لغات القبائل، وأخذ الشعراء والبلغاء أنفسهم بما أجمعوا على استحسانه منها حتى تنافسوا في ذلك وأصبحت هذه اللغة المصطفاة هي المتفق على التعبير بها عما يخالج النفوس من أغراض وأحاسيس. وصرنا نسمع شبه هذا الإجماع على سلامة لغة قبائل الجزيرة والطعن بلغات أهل السواحل؛ لمخالطتهم الأجانب في الأسفار والتجارات. فلما كانت الفتوحات واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب التي كانت تحت سيطرة الفرس والبيزنطيين والأحباش، ودخول كثير من هؤلاء في الإسلام، واضطرارهم إلى تعلم ما استطاعوا من العربية، وكان بين العرب الفاتحين وهؤلاء الشعوب اختلاط وأخذ وعطاء، تسرب الفساد إلى لغة كثير من العرب وبدأ يسمع لحن في التخاطب، قليلا في الأول ثم أخذ في الانتشار حتى لفت إليه أنظار المسئولين وغيرهم من أهل الحل والعقد.


اللحن أهم أسباب وضع علم النحو:

يعتبر اللحن الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها؛ فقد كانت حوادثه المتتابعة نذير الخطر الذي هب على صوته أولو الغيرة على العربية والإسلام.

بدأ اللحن قليلا خفيفا منذ أيام الرسول على ما يظهر، فقد لحن رجل بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" والظاهر أيضا أنه كان معروفا بهذا الاسم نفسه "اللحن" بدليل أن السيوطي روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: "أنا من قريش ونشأت في بني سعد, فأنى لي اللحن" وقد كان أبو بكر الصديق يقول: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن".

فإذا بلغنا عهد عمر رأينا المصادر تثبت عددا من حوادث اللحن. فتذكر أن عمر مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا: "إنا قوم متعلمين" فأعرض مغضبا وقال: "والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم" سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" وورد إلى عمر كتاب أوله: "من أبو موسى الأشعري" فكتب عمر لأبي موسى بضرب الكاتب سوطا. والأنكى من ذلك تسرب اللحن إلى قراءة الناس للقرآن, فقد قدم أعرابي في خلافة عمر فقال: "من يقرئني شيئا مما أنزل على محمد؟ " فأقرأه رجل سورة براءة بهذا اللحن: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ ... " فقال الأعرابي: "إن يكن الله بريئا من رسوله, فأنا أبرأ منه" فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أمير المؤمنين, إني قدمت المدينة ... وقص القصة فقال عمر: "ليس هكذا يا أعرابي" فقال: "كيف هي يا أمير المؤمنين؟ " فقال: {أن اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فقال الأعرابي: "وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم". فأمر عمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة. ولعمر تنسب تلك المقولة المأثورة: "تعلموا العربية؛ فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة". ومر عمر برجلين يرميان فقال أحدهما للآخر: "أسبت" فقال عمر: "سوء اللحن أشد من سوء الرمي" فجعل إبدال الصاد سينا من اللحن.

وتكاد قصة بنت أبي الأسود تكون المعْلم المشهور في تاريخ النحو: فقد دخل عليها أبوها في وقدة الحر بالبصرة فقالت له: "يا أبت, ما أشدُّ الحر! " رفعت "أشد" فظنها تسأله وتستفهم منه: أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: "شهرا ناجر". فقالت: "يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك".

ونتقدم خطوة في الزمن فيقص علينا ابن قتيبة أن رجلا دخل على زياد فقال له: "إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا" فقال زياد: "ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك", وأن أعرابيا سمع مؤذنا يقول: "أشهد أن محمدا رسولَ الله" فقال: "ويحك، يفعل ماذا؟ ". وأن أعرابيا دخل السوق "فسمعهم يلحنون فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون, ونحن لا نلحن ولا نربح! ".

وروى الجاحظ أن "أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي "بدل عصاي" وأول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح "بكسر الياء بدل فتحها"".

ثم شاع في العصر الأموي حتى تطرق إلى البلغاء من الخلفاء والأمراء كعبد الملك والحجاج, والناس يومئذ تتعاير به، وكان مما يسقط الرجل في المجتمع أن يلحن، حتى قال عبد الملك وقد قيل له: "أسرع إليك الشيب": "شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن". وكان يقول: "إن الرجل يسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها, فإذا لحن انصرفت نفسي عنها" وكان يرى اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس.
والحجاج على أنه من الخطباء الأبيناء البلغاء, كان في طبعه تقزز من اللحن أن يقع منه أو من غيره، فإذا وقع منه حرص على ستره وإبعاد من اطلع عليه منه، ذكروا أنه سأل يحيى بن يعمر الليثي: "أتسمعني ألحن على المنبر؟ " فقال يحيى: "الأمير أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر" قال: "أتسمعني ألحن حرفا؟ " قال: "نعم، في آي القرآن" قال: "فذاك أشنع؛ وما هو؟ " قال تقول: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } تقرؤها "أحبُّ" بالرفع، فأنف الحجاج أن يطلع له رجل على لحن, فبعث به إلى خراسان. وكان الحجاح يعجب بفصاحة يحيى هذا فسأله يوما: "أخبرني عن عنبسة بن سعيد: أيلحن؟ " قال: "كثيرا" قال: "أفأنا ألحن؟ " قال: "لحنا خفيفا" قال: "كيف ذلك؟ " قال: تجعل "أن, إن" و"إن, أن" ونحو ذلك. قال: "لا تساكني ببلد، اخرج", وكان الرجل إذا أراد أن يفلت من عمل للحجاج عاذ باللحن فنجا.

مكان وضع علم النحو وواضعه وأول ما وضع منه:
الذي تجمع عليه المصادر أن النحو نشأ بالبصرة، وبها نما واتسع وتكامل وتفلسف، وأن رءوسه بنزعتيه السماعية والقياسية كلهم بصريون.
أول من أرسل في النحو كلاما أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 67هـ.
وقيل: إن علي بن أبي طالب ألقى على أبي الأسود شيئا من أصول هذا النحو, ثم قال له: "انح هذا النحو" فسمي الفن نحوا.
وقيل: إن أول من تكلم فيه: نصر بن عاصم المتوفى سنة 89هـ.
وقيل: عبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة 117هـ.
وقيل: لم يصل إلينا شيء عن أحد قبل يحيى بن يعمر المتوفى سنة 129هـ, وابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة 117هـ.
ومن يقرأ بإمعان ترجمة أبي الأسود الدؤلي في "تاريخ دمشق لابن عساكر" مثلا، ثم يفكر في توارد أكثر المصادر على جعله واضع الأساس في بناء النحو لا يستبعد ذلك، فالرجل ذو ذكاء نادر وجواب حاضر، وبديهة نيرة، ثم هو بعدُ بليغ أريب مرن الذهن، وحسبك اختراعه "الشكل" الذي عرف بنقط أبي الأسود للدلالة على الرفع والنصب والجر والتنوين، وهو ما أجمعوا عليه قديما ولم يشك فيه حديثا أحد. و"الشكل" أعود على حفظ النصوص من حدود النحو؛ ولعله أعظم خدمة قدمت للعربية حتى الآن، وكان الخطوة الأولى إلى النحو.
وينص أبو الطيب اللغوي على أن أبا الأسود وضع النحو ليتعلم بنو زياد. "واختلف الناس إليه يتعلمون العربية, وفرع لهم ما كان أصله, فأخذ ذلك عنه جماعة". كان يتصدر لإعراب القرآن, وأن هؤلاء الذين تزعم لهم الأولية في بعض الأقوال: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعنبسة الفيل، وميمونا الأقرن، كلهم تلميذ أبي الأسود أو تلميذ تلميذه، عنه أخذوا العربية والقراءة بالبصرة؛ كل أولئك مع ما عرف عن أبي الأسود من ذكاء وقاد، وفكر متحرك، وعقل وروية، يجعلنا نقطع بأنه وضع أساسا بنى عليه من بعده.


من تاريخ النحو العربي. سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني (المتوفى: 1417هـ) الناشر: مكتبة الفلاح.

Go to the top of the page
 
Quote Post

Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الآن لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء: