أهمية العقيدة-المغراوي-مسموع
ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )

16 الصفحات V   1 2 3 > »   
Reply to this topicStart new topic
> تراجم السلف /دعوة للمشاركة/ارجوا التثبيث
مناين
المشاركة Jul 15 2008, 10:03
رابط المشاركة #1


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الى جميع اعضاء موقع جمعية الدعوة الى القران والسنة بمراكش

خطرت لي فكرة ان نكتب نبذة تعريفيةعن اعلام السلف امثال مالك و  الشافعي ومسلم وغيرهم كثير

ارجو التفاعل مع الموضوع بارك الله فيكم 

وارجوا من المشرفين تثبيث الموضوع لاهميته

اخوكم مناين



Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 15 2008, 14:22
رابط المشاركة #2


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




الإمام مالك بن أنس

اسمه ونسبه :

مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن عمرو بن الحارث إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة .

ينتهي نسبه إلى قبيلة يمنية وهي ذو أصبح .

مولده ونشأته وصفاته :

ولد سنة ثلاث وتسعين للهجرة ـ على الصحيح ـ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فرأى آثار الصحابة وتتلمذ على يد تلاميذ الصحابة .

كانت أسرته أسرة علم ، فطلب العلم صغيرا .

طلبه للعلم :

ـ قال لأمه أنه يريد أن يذهب ليطلب العلم فألبسته أحسن الثياب وعممته ثم قالت اذهب فاكتب الآن .

ـ جلس إلى ابن هرمز نحو من سبع أو ثمان سنين .

ـ قال مالك سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساؤه قول لا أدري .

ـ درس على يد ابن شهاب الزهري عالم الحديث والتابعي الجليل .

ـ سئل مالك هل سمعت عن مالك بن دينار : قال رأيته يحدث والناس قيام يكتبون فكرهت أن أكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنا قائم .

ـ قال الإمام مالك كما في طبقات المالكية : حج أيوب السختياني حجتين فلم أكتب عنه الحديث ، فلم حج حجته الأخيرة جلس في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فكتبت عنه .

ـ درس الإمام مالك على يد ربيعة الرأي من فقهاء المدينة السبعة .

تدريسه ونشره للعلم :

ـ لم يجلس للتعليم إلا بعد أن شهد له سبعون من أهل العلم أنه أهل للفتوى .

ـ علم العلم في المسجد فلم يرى عليه غير ضحكة أو اثنتين في خمسين سنة ثم في آخر حياته درس في بيته لمرضه .

ـ ولك أن ترى درس للإمام مالك لتراه : أبيض الثياب يغتسل ويتطيب ويجلس في مجلس عليه الوقار .

ـ وقد سئل عن مسألة افتراضيه فلم يجب قال السائل : لم تجب قال الإمام مالك : لو سألت عما ينفعك أجبتك .

ـ جاءه رجل من المغرب في مسألة فقال قل للذي أرسلك لا أعلم قال من يعلم قال الذي علمه الله .

ـ ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99 ـ 101 فأعجب به مالك ، ثم كان من بعده ولاة غيروا وبدلوا.

ـ سنة 130 هـ دخل أبو حمزة المدينة واستباحها فأثر هذا على الإمام مالك لكنه لم يخرج على ولاة الأمر ولم يقف في صف الناس الذين كان يعتقد الإمام أنه يصدق فيهم قوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " . فلم يسع في فتنة ولم يداهن ولاة الأمر بل وعظه ونصحه للولاة محفوظ .

ابتلاؤه في ذات الله :

سنة 146 هـ في عهد أبي جعفر المنصور ابتلي وضرب فثبت .

ورعه وزهده وعبادته :

كان الإمام مالك يقول : لا خير فيمن يرى نفسه في حال لا يراه الناس أهلا لها .

وكان إذا سئل كثيرا ما يقول لا أدري .

تعظيمه للسنة :

كان كغيره من الأئمة يعظم السنة ويقول إن صح الحديث فهو مذهبي .

وكان يقول قل ليلة إلا وأنا أرى فيها النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ، فمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا كيف يكون مع سنته صلى الله عليه وسلم في اليقظة .

ثناء العلماء عليه :

ـ قال عن نفسه : ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك .

ـ قال الشافعي : إذا جاء الحديث فمالك النجم .

ـ قال البخاري : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر .

وفاته :

توفي سنة تسع وسبعين ومائة للهجرة ودفن بالبقيع وهو ابن خمس وثمانين سنة .

أصول مذهبه :

الكتاب ـ السنة ـ الإجماع ـ القياس ـ الاستحسان ـ الاستصحاب ـ المصالح المرسلة ـ الذرائع ـ العادات والعرف .

انتشار مذهبه :

مصر والسودان وبلاد المغرب والأندلس.



Go to the top of the page
 
Quote Post
عيسى بنتفريت
المشاركة Jul 15 2008, 14:34
رابط المشاركة #3


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 5,103
التسجيل: 12-June 06
البلد: تمارة المغرب
رقم العضوية: 1,527




الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى

الإمام أبو حنيفة رحمه الله 80 ـ 150 هـ

  هو النعمان بن ثابت مولى بني بن ثعلبة تفقه على حماد بن أبي سليمان وغيره .

ومن تلامذته : زفر بن الهذيل العنبري، والقاضي أبو يوسف، ونوح بن أبي مريم، وأبو مطيع البلخي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وحماد بن أبي حنيفة، وخلق .

قال الذهبي رحمه الله : " برع في الرأي، وساد أهل زمانه في التفقه ، وتفريع المسائل، وتصدر للاشتغال، وتخرج به الأصحاب" ثمَّ قال : " وكان معدوداً في الأجواد الأسخياء، والأولياء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة، وقيام الليل رضي الله عنه "(5 ).

وقال ابن كثير رحمه الله :" الإمام أبو حنيفة... فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاة " ( 6 ).

وقال ابن العماد في " شذرات الذهب ": " وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة، والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة؛ بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صنَّاع وأجراء رحمه الله تعالى"( 7 ) .

وقد أورد الذهبي وابن كثير وابن العماد المقولة المشهورة عن الإمام الشافعي فيه حيث قال :" الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة "( 8 ) .

وقال سفيان الثوري وابن المبارك : " كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه "(9 ).

فرحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه وأجزل له المثوبة .


--------------




الإمام مالك بن أنس  ت 179 هـ

هو أبو عبد الله مالك بن أنس الحميري الأصبحي ،،،

أخذ عن نافع ولازمه، وعن سعيد المقبري، والزهري، وابن المنكدر، ويحي بن سعيد القطَّان، وأيوب السختياني، وأبي الزناد، وربيعة، وخلق .

وروى عنه من شيوخه: الزهري، وربيعة، ويحي بن سعيد، وغيرهم .

ومن أقرانه : الأوزاعي، والثوري، والليث، وخلق .

وروى عنه أيضاً : ابن المبارك، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، والقعنبي، وخلائق ( 10 ) .

قال الذهبي رحمه الله تعالى :" هو الإمام العلم شيخ الإسلام " ثمَّ قال :" عظيم الجلالة، كثير الوقار" ثمَّ أورد قول ابن سعد في الطبقات فقال : " كان مالك رحمه الله ثقة، ثبتاً، حجة، فقيهاً، عالماً، ورعاً "( 11 ) .

قال ابن كثير رحمه الله :" أحد الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المتبوعة" ثمَّ قال : "ومناقبه كثيرة جداً، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان " ( 12 ) .

وقال ابن العماد في" شذرات الذهب ": " إمام دار الهجرة " ثمَّ قال :"شهير الفضل"( 13 ) .وقد أورد العلماء قول الشافعي فيه :" إذا جاء الحديث فمالك النجم" وقال :" من أراد الحديث فهو عيال على مالك " ( 14 ) .

فرحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه،وأجزل له المثوبة .


---




الإمام الشافعي رحمه الله  150 ـ 204 هـ  

 هو محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي المكي المطلبي، الفقيه، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تفقه على مسلم بن خالد ( فقيه مكة )، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، ( الفقيه )، وخلق سواهم .

وتفقه به جماعة منهم : الحميدي، والقاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والمزني، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وخلق سواهم .

قال الذهبي رحمه الله :" الإمام العَلَم،... الفقيه، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقال:" كان الشافعي - مع عظمته في علم الشريعة وبراعته في العربية - بصيراً في الطلب نقل ذلك غير واحد " ( 15 ) .

وقال ابن كثير :" وقد أثنى على الشافعي غير واحد من الأئمة منهم : عبد الله بن مهدي، وقد سأله أن يكتب له كتاباً في الأصول فكتب له الرسالة وكان يدعو له في صلاته، وكذلك أثنى عليه شيخه مالك بن أنس، وقتيبة بن سعيد - وقال هو إمام -، وسفيان بن عيينة، ويحي بن سعيد القطّان -وكان يدعو له أيضاً في صلاته، وأبو عبيد القاسم بن سلام - وقال : ما رأيت أفصح، ولا أعقل، ولا أورع من الشافعي -، ومحمد بن الحسن، وخلق كثير، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان أحمد يقول إنه مجدد المائة الثانية ... إ.هـ مختصراً (16 ).

وقال ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" : " فقيه العصر، والإمام الكبير" ( 17 ).

وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال : تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله . قال: فأقامني على الشافعي ( 18 ) .

وقال الإمام أحمد:"ما أحد مسَّ محبرة، ولا قلماً؛ إلاَّ للشافعي في عنقه منة" وقال:" كان من أفصح الناس " ( 19 ).

فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة ورضي عنه .


----------------




الإمام أحمد رحمه الله  164 ـ 241 هـ
 

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثمَّ البغدادي .

من شيوخه : سفيان بن عيينة، والقاضي أبو يوسف، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، وخلق كثير .

وروى عنه من شيوخه: عبد الرزاق، والشافعي، وخلق .

ومن تلاميذه: البخاري، ومسلم، وأبو داود .

ومن أقرانه: علي بن المديني، ويحي بن معين، وخلق .

وقد ترجم له الذهبي في" تاريخ الإسلام " بترجمة طويلة ومما أورده فيها قول الإمام الشافعي رحمه الله :" خرجت من بغداد، فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد " وقال:" ما رأيت أعقل من أحمد " . وقال إسحاق بن راهويه:" وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل " . وقال ابن معين:" ما رأيت مثل أحمد" ( 20 ) .

وقال ابن كثير رحمه الله:" وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم " ثمَّ قال:" وقد قال الشافعي لأحمد لمّا اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة - وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة - قال له:" يا أبا عبد الله، إذا صحَّ عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه؛ حجازياً كان أو شامياً أو عراقياً أو يمنياً " ثمَّ قال ابن كثير رحمه الله معلقاً على ما تقدم :" وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد، وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة، إذا صحَّ أو ضعف يرجع إليه. وقد كان الإمام بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، واعترافهم له بعلو المكانة؛ في العلم والحديث، وقد بدُر صيته في زمانه، واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق " ( 21 ) .

ثمَّ ذكر جملة في فضائله وشمائله وثناء الأئمة عليه .

فرحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه، وأجزل له المثوبة .

ومن لطيف ما ذكر ابن كثير في ترجمته حديث " نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة" فقد رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي وعن الإمام مالك ثمَّ ساق الإسناد (
22 ).

منقول للامانة.

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 17 2008, 15:25
رابط المشاركة #4


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




 

الإمام سفيان الثوري

اسمه ونسبه:

هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثَّوري، وهذه النسبة إلى أحد أجداده، وهو: ثور بن عبد مناة بن أدِّ بن طانجة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان. يجتمع نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في "إلياس بن مضر". وكنيته "أبو عبد الله".

 

مولده ونشأته:

ولد في الكوفة سنة 97 هـ، ونشأ فيها، في وسط علمي، إذ كانت الكوفة في ذلك العصر مركزاً من مراكز العلم والسنة، وربما يكون كثير من مثقفَّينا لم يرسخ في ذهنه إلا صورة سيئة عنها، لما عُرفت به من الفتن والحركات المنحرفة، فليس هذا على إطلاقه، بل كانت تزخر في القرون الأولى بعشرات الأعلام من المحدثين والفقهاء والقضاة واللغويين وغيرهم، فكان ذلك سبباً عاماً لتوجه الإمام الثوري رحمه الله العلمي، وتوفر له سببان آخران:

 

الأول: عناية والدَيْه به، أما والده: سعيد بن مسروق، فقد كام من محدثي الكوفة وثقاتهم، وعداد في صغار التابعين، روى له أصحاب الصحيحين والسنن والمسانيد، مات سنة (126 هـ). وأما والدته: فقد كانت سيدة فاضلة، كانت تقول لولدها: "يا بنيَّ اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي". وكانت رحمها الله تتابعه على هذا السبيل، وتنصحه، قال وكيع: قالت أمُّ سفيان الثوري لسفيان: يا بنيَّ إذا كتبتَ عشرة أحرفٍ فانظر هل ترى نفسك زيادةً في خشيتك، وحِلْمك، ووقارك، فإن لم ترَ ذلك، فاعلم: أنها تضرك ولا تنفعك.

 

الثاني: ما خصَّه الله تعالى به من الذكاء والحفظ، فكان ينوّه بذكره من صغره من أجل ذلك، وانتشر خبره وهو شاب، حدَّث أبو المثنى، قال: سمعتهم بمرو، يقولون: قد جاء الثوري. فخرجت أنظر إليه، فإذا هو غلام قد بقل وجهه [2]. وقال عبد الرحمن بن مهدي، رأى أبو إسحاق السَّبيعيُّ سفيان الثوريَّ مقبلاً، فقال: {وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]. وقد أخبر سفيان رحمه الله عن توقّد حافظته بقوله: إني لأمرُّ بالحائك، فأسدُّ أذني مخافة أن أحفظ ما يقول. ولهذا كان يقول: ما استودعتُ قلبي شيئاً فخانني. وقد شهد له غير واحدٍ من الأئمة بذلك ـ كما سيأتي ـ.

مشائخه وتلاميذه:

لقي سفيان جماعة كبيرة من التابعين، وروى عنهم، وقد ذكروا في ترجمته ـ منهم وممن بعدهم من تابعيهم ـ نحو ثلاث مئة شيخ، من كبارهم: حبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، وزياد بن علاقة، وعمرو بن مرة، ومحمد بن المنكدر، وبابتهم، قال الذهبي: ويقال إن عدد شيوخه ستَُ مئة شيخ، وكبارهم الذين حدثوه عن أبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وابن عباس، وأمثالهم ـ وقرأ الختمة عَرْضَاً [3] على حمزة الزَّيَّات، أربع مرَّات.

وحمل العلم عنه خلق كبير، وفيهم من القدماء مَنْ مات قبله، كالأعمش وأبو حنيفة والأوزاعي ومسعر وشعبة، وغيرهم. وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن الرواة عنه: أكثر من عشرين ألفاً. لكن ردّ الذهبي هذا، فقال: وهذا مدفوع ممنوع، فإن بلغوا ألفاً فبالجَهْد [4]، وما علمتُ أحداً من الحفَّاظ روى عنه عددٌ أكثر من مالك، وبلغوا بالمجاهيل والكذابين ألفاً وأربع مئة!.

منزلته العلمية:

قال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، ويحيي بن معين، وغيرهم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث.

وقال عبد الله بن المبارك: كتبتُ عن ألف ومئة شيخ، ما كتبتُ عن أفضل من سفيان.

وقال أبو أيوب السختياني ـ وهو من شيوخه -: ما لقيتُ كوفياً أُفضِّله على سفيان.

وقال يونس بن عبيد: ما رأيتُ أفضل من سفيان. فقيل له: فقد رأيتَ سعيد بن جبير، وإبراهيم، وعطاء، ومجاهد، وتقول هذا؟! قال: هو ما أقول: ما رأيتُ أفضل من سفيان.

وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ مني. وقال عبد العزيز بن أبي رزمة قال رجل لشعبة: خالفكَ سفيان. فقال: دمغتني!!.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان وهَيْب: يُقدِّمُ سفيان في الحفظ على مالك.

وقال يحيى بن سعيد القطان: سفيان أشد من شعبة وأعلم بالرجال.

ومن هنا فإن ما رواه: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عقبة عن عبد الله بن مسعود، فهو من أصح الأسانيد عنه رضي الله عنه [5]. بل قال الذهبيُّ: أجلُّ إسنادٍ للعراقيين.

هذه منزلته في الحديث، ولما كان العالم كلما كان أعلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ـ حفظاً وعنايةً ودرايةً ـ كان أعظم فقهاً في دين الله تعالى، لهذا كان سفيان ـ كما يقول الفُضيل بن عياض رحمه الله ـ "أعلم من أبي حنيفة" رحمه الله. ويقول ابن عيينة: ما رأيتُ رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان. بل هذا عبد الرحمن بن مهدي يذكر سفيان، وشعبة، ومالكاً، وابن المبارك. ثم يقول: أعلمهم بالعلم سفيان.

وقال عباس الُّدوري: رأيتُ يحيى بن معين لا يقدِّم على سفيان أحداً في زمانه، في الفقه والحديث والزهد، وكلِّ شئٍ.

 

بماذا ساد النَّاس:

لقد بلغ سفيان منزلةً عظيمةً في زمانه، أهَّلته لأن يُفضَّل على معاصريه من الأئمة الكبار تفضيلاً عاماً، كما رأيت في النصوص المتقدمة، وهناك نصوص أخرى، منها قول الإمام أحمد رحمه الله: "أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي". والإمام أحمد في هذا على رأي شيخه سفيان بن عيينة رحمه الله، فقد حدّث عنه أنه قال له: "لن ترى بعينيك مثل سفيان الثوري حتى تموت". ويقول بشر الحافي كان الثوري عندنا إمام الناس. ويقول: سفيان في زمانه كأبي بكرٍ وعمرَ في زمانهما.

فبماذا نال الإمام الثوري رحمه الله هذه المرتبة الشريفة؟

يجيبنا شعبة بن الحجاج رحمه الله، فيقول: "ساد سفيانُ الناسَ بالورع، والعلم".

وهذا قريب من تلك الكلمة التي اشتهرتْ عن الإمام ابن القيم رحمه الله، وهي قوله: "بالصبر واليقين، تنالُ الإمامةُ في الدِّين". فإن حقيقة الورع هو: الصبرُ عن كل ما تخافُ ضرره عليكَ في دينك وآخرتك. واليقينُ هو ثمرة العلم، فلا يقينَ بغير علمٍ، بل لا يقين إلا بالعلم الأثريِّ الصحيح، ولهذا كان أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام [6]، لأنهم محجوبون عن العلم السَّلفي النافع الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام.

فإذا جُمع للعالم هذان الأصلان، ترقى في مدارج السالكين، وبلغ منزلة الإمامة في الدين، فيكون حجةً من الله تعالى على عباده، بعلمه ودعوته، وخُلقه وسيرته، وهكذا كان سفيان، قال شعيب بن حرب: إني لأحسب أنه يُجاء غداً بسفيان حجةً من الله على خلقه. يقول لهم: لم تدركوا نبيكم فقد رأيتم سفيان!

مذهبه في الزهد:

كان سفيان رحمه الله إماماً في الزهد والتألُّه والخوف، غير أن له مذهباً متميزاً في ذلك، فقد كان كثير من أهل الزهد انتهوا في زهدهم إلى الجوع والتقشُّف الشَّديد وترك التكسب، فأورث بعضهم أمراضاً وأوجاعاً، وحاجة إلى الناس، أما سفيان فقد كان متيقظاً لعاقبة ذلك، خاصةً: وقد فسد الزمان، واشتد الأمر، فكان يقول: كان المالُ فيما مضى يُكره، أما اليومَ فهو ترس المؤمن.

ونظر إليه رجل وفي يده دنانير، فقال: يا أبا عبدالله! تمسك هذه الدنانير. قال: اسكت: فلولاها لتمندل بنا الملوك!

وقال حذيفة المرعشي: قال سفيان: لأن أخلِّف عشرة الآف درهم، يحاسبني الله عليها، أحبُّ إليّ من أن أحتاج إلى الناس. وكان رحمه الله يأكل الجيّد من الطعام، يتقوى به على طاعة الله، قال عبد الرزاق الصنعانيُّ: لما قدم سفيان علينا، طبخت له قدر سِكْباج ـ لحمٌ يُطبخ بخلٍّ ـ فأكلَ، ثم أتيته بزبيبِ الطائف فأكلَ، ثم قال: يا عبد الرزاق! اعْلِف الحمارَ وكدَّه. ثم قام يصلي حتى الصباح.

وقال مؤمل: دخلت على سفيان وهو يأكل طباهج ـ وهو اللحم المشرّحُ ـ ببيضٍ، فكلّمته في ذلك، فقال: لم آمركم أن لا تأكلوا طيباً. اكتسبوا طيباً، وكلوا.

ويبيُّن مذهبه في الزهد في كلمةٍ جامعةٍ، فيقول رحمه الله: ليس الزُّهد بأكلِ الغليظ، ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت.

ويقول رحمه الله: الزُّهد زهدان، زهدُ فريضةٍ، وزهدُ نافلةٍ، فالفريضة: أن تدع الفخر والكبر والعلو، والرِّياء والسُّمعة، والتزيُّن للنَّاس. وأما زهد النافلة: فأن تدع ما أعطاكَ اللهُ من الحلال، فإذا تركت شيئاً من ذلك، صار فريضةً عليكَ ألا تتركه إلا لله.

مذهبه في العزلة:

كنتُ ذكرت في ترجمة الأوزاعي رحمه الله، قول أبي إسحاق الفزاري عن الثوري: "كان رجل خاصّة نفسه"، فناسب هنا أن أذكر بعض أقواله في اختيار العزلة والزهد في الناس.

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله، قال لي سفيان: إياك والشهرة، فما أتيتُ أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة.

وقال رحمه الله: ما رأيتُ للإنسان خيراً من أن يدخل جُحْراًً.

وقال رحمه الله: كثرة الإخوان من سخافة الدين.

وقال رحمه الله: أقِلَّ من معرفة الناس، تقلّ غيبتك.

وقال: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس، وأولَ ذلك زهدك في نفسك.

وقال: السلامة في أن لا تحبَّ أن تُعرف.

وقال: وجدتُ قلبي يصلح بين مكة والمدينة، مع قوم غرباء، أصحاب صوفٍ وعباءٍ.

وربما يكون هذا لما في الخلطة من التعرّض لتفاصيل حياة الناس التي لا تخلو من المنكرات، وقد يكون لا يستطيع إنكارها في بعض الأحايين، فيضيق صدره، كما قال سفيان: إنى لأرى المنكر، فلا أتكلم، فأبول أكدمَ دماً. ولكن إذا كانت الخِلْطة لابد منها، فلابد إذن من القيام بالممكن من الأمر والنهي، قال شجاع بن الوليد: كنت أحجُّ مع سفيان، فما يكاد لسانه يفتر من الأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، ذاهباً وراجعاً.

عنايته بالحديث النبوي:

كان لسفيان رحمه الله عناية بالغة، بالحديث حفظاً وسماعاً ومذاكرة، حتى قيل له: إلى متى تطلب الحديث؟ فقال: وأيّ خيرٍ أنا فيه خير من الحديث فأصير إليه، إن الحديث خير علوم الدنيا. ذلك لأنه كما يقول: ليس شئ أنفع للناس من الحديث.

ولكن هنا عقبات:

أولها: تصحيح النية. قال سفيان: "ما عملٌ أفضل من الحديث إذا صحَّت النية". ويقول عن الحديث: "ما يَعْدِله شئ لمن أراد به الله". وربما يتوجه المرء إلى طلب العلم وليس به كبر نية، فيرزقه الله النية الخالصة، بتجرّده وحسن قصده، كما قال سفيان: "طلبتُ العلم فلم يكن لي نية، ثم رزقني الله النية". وهذه الكلمة قد ردّدها غير واحدٍ من الأئمة رحمهم الله تعالى، وقصدهم منها محاسبة النفس، وتحقيق الإخلاص، وإلا فإن مجرّد طلب الحديث دليل على النية الحسنة، قال يحيى بن اليمان: قيل لسفيان: ليس لهم نية ـ يعني أصحاب الحديث -؟! قال: طلبهم له نية، لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم.

ثانيها: أن زيادة العلم من زيادة حجة الله على عبده. يقول سفيان: وددتُ أن علمي نسخ من صدري، لستُ أريد أن أسأل غداً عن كل حديثٍ رويته: أيش أردت به؟ ولهذا كان رحمه الله ما يبلغه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويعمل به، ولو مرّة.

ثالثها: أن للاشتغال بالحديث بعض الآفات يجب الحذر منها، مثل التحديث عن الضعفاء، أو التدليس ـ وكان سفيان ربما دلَّس -، أو الابتلاء بشهوة الحديث، كما قال يحيى القطَّان: كان الثوري قد غلبت عليه شهوة الحديث ما أخاف عليه إلا من حبّه للحديث!

وهذه العقبات شغلت بال الثوري، وأهمَّته، فكان يقول: ما أخاف على شئ أن يدخلني النار، إلا الحديث، ويقول: من يزدد علماً يزدد وجعاً، ولو لم أعلم كان أيسر لحزني.

بعض أقواله في بيان العقيدة السلفية:

·                   في الإيمان: قال أبو نعيم، سمعتُ سفيان ، يقول: الإيمانُ يزيد وينقصُ.

وقال عبد الرزاق: سمعت مالكاً، والأوزاعيَّ، وابن جُريج، والثوريَّ، ومَعْمراً، يقولون: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.

قال أبو بكر بن عيَّاش: كان سفيان ينكر على من يقول: العبادات ليست من الإيمان.

ولم يصلِّ سفيان على عبد العزيز بن أبي رواد، ومسعر بن كدام، لأنهما كانا يقولان بالإرجاء.

·      في الأسماء والصفات: قال معدان، سألت الثوري عن قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]؟ قال: علمه.

وسئل رحمه الله عن أحاديث الصفات. فقال: أَمِرُّوها كما جاءت.

وقال رحمه الله: من زعم أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مخلوق، فقد كفر بالله ـ عز وجل ـ.

·      في الصحابة: قال رحمه الله: من قدَّم على أبي بكرٍ وعمر أحداً فقد أرزى على اثني عشر ألفاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ.

قال الفريابي، سمعت سفيان ـ ورجل يسأله: عن من يشتم أبا بكرٍ ؟ - فقال: كافر بالله العظيم. قال نصلي عليه؟ قال: لا، ولا كرامة. قال: فزاحمه الناس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي قريباً منه: ما قال؟ قال: قلنا هو يقول لا إله إلا الله ما نصنع به؟ قال: لا تمسوه بيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره.

وقال رحمه الله: لا يجتمع حبّ عليّ وعثمان إلا في قلوب نبلاء الرجال.

ومع هذا كان فيه رحمه الله تشيُّع يسير، كان يقدّم علياً على عثمان، فربما يكون هذا في أول أمره، فإنه نشأ في الكوفة، وكان هذا هو المذهب الغالب فيها، وقد فرَّج عنا زيد بن الحباب رحمه الله فقال: خرج سفيان إلى أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، فترك التشيّع!.

·      في اتباع السنة: قال ابن ادريس: ما رأيتُ بالكوفة رجلاً أتبع للسنة ولا أودُّ أني في مسلاخه ـ أي: في هديه وسَمْته ـ من سفيان الثوري. وقال سفيان رحمه الله: الإسناد سلاح المؤمن، فمن لم يكن له سلاح فبأي شئ يقاتل.

وعنه: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة ـ وهو يعلم ـ خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه. وعنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يُلْقها في قلوبهم [7].

وقال شعيب بن حرب، قال سفيان: لا ينفعك ما كتبتَ حتى يكون إخفاء (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة أفضل عندك من الجهر.

وقال ابن المبارك عن سفيان: استوصوا بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء.

قلتُ: رحم الله سفيان! يقول هذا في زمانه، والسنة ظاهرة، وأئمة العلم متوافرون، فكيف لو رأى زماننا مع ظهور أصناف البدع، وغربة العلم وأهله!

 

محنته مع السلطان:

لم يكن سفيان رحمه الله يرى الخروج أصلاً، وبهذا جزم الذهبي رحمه الله، بل كان ينكره إنكاراً شديداً، كما يظهر من موقفه الصارم من الحسن بن صالح بن حي، الذي كان يرى الخروج[8]. ولكنه مع هذا ابتلي بظلم السلطان، والسبب في ذلك: أنه كان ينكر على الولاة إنكاراً شديداً، ويستعمل عبارات قاسية في حقهم، وكان مذهب الخروج مشهوراً في الكوفة، فيظهر ـ والله أعلم ـ أنهم خافوا أن ينتهي أمره إلى الخروج.

فمن أقواله فيهم:

قال يوسف بن أسباط، قلت لسفيان: معاملة الأمراء أحبُّ إليك أم غيرهم. فقال لي: معاملة اليهود والنصارى أحبّ إليّ من معاملة هؤلاء.

وقال رحمه الله: النظر إلى وجه الظالم خطيئة. وقال: لاتنظروا إلى الأئمة المضلين إلا بإنكار من قلوبكم عليهم لئلا تحبط أعمالكم. وقال: لا تنظروا إلى دورهم ولا إليهم إذا مرُّوا على المراكب. وقال: القبول مما في أيديهم من استحلال المحارم، والتبسم في وجوههم علامة الرضا بفعالهم، وإدمان النظر إليهم يميت القلب، من رأى منكم خرقةً سوداء فليدُّسها ولا يمسَّها مسَّاً [9].

وقيل[10]: إن عبد الصمد ـ عمَّ المنصور ـ دخل على سفيان يعوده، فحوّل وجهه إلى الحائط، ولم يردّ السلام. فقال عبد الله: يا سيف! أظنُّ أبا عبد الله نائماً. قال: أحسب ذاك ـ أصلحك الله! ـ. فقال سفيان: لا تكذب، لست بنائم. فقال عبد الصمد: يا أبا عبد الله! لك حاجة؟ قال: نعم، ثلاث حوائج: لا تعود إليَّ ثانية, ولا تشهد جنازتي، ولا تترحم عليَّ!! فخجل عبد الصمد، وقام، فلما خرج، قال: لقد هممتُ أن لا أخرج إلا ورأسه في معي.

وهكذا بدأت محنة هذا الإمام رحمه الله، قال عبد الرزاق: بعث أبو جعفر [المنصور] الخشَّابين حين خرج إلى مكة، وقال: إن رأيتم سفيان الثوريَّ فأصلبوه. فجاء النجَّارون، ونصبوا الخشب، ونودي عليه، فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر ابن عيينة، فقيل له: يا أبا عبد الله! اتق الله، لا تشمِّتْ بنا الأعداء، فتقدَّم إلى الأستار، ثم أخذه، وقال: برئتُ منه إن دخلها أبو جعفر. قال فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فأُخبر به سفيان، فلم يقل شيئاً.

قال الذهبي: هذه كرامة ثابتة.

ثم تجدَّدت محنة سفيان رحمه الله في خلافة المهدي بن المنصور.

قال محمد بن سعد: طُلب سفيان، فخرج إلى مكة، فنفذ المهديّ إلى محمد بن إبراهيم ـ وهو على مكة ـ في طلبه، فأَعْلَم سفيان بذلك [11]، وقال له محمد: إن كنتَ تريد إتيان القوم، فاظهر حتى ابعثك إليهم، وإلا فتوار. قال: فتوارى سفيان، وطلبه محمد، وأمر منادياً فنادى بمكة: من جاء بسفيان، فله كذا وكذا، فلم يزل متوارياً بمكة، لا يظهر إلا لأهل العلم، ومن لا يخافه.

قال ابن سعد: فلما خاف من الطلب بمكة، خرج إلى البصرة، ونزل قرب منزل يحيى بن سعيد، ثم حوَّله إلى جواره، وفتح بينه وبينه باباً، فكان يأتيه بمحدّثي أهل البصرة، يسلّمون عليه، ويسمعون منه، أتاه: جرير بن حازم، ومبارك بن فضالة، وحماد بن سلمة، ومرحوم العطَّار، وحماد بن زيد. وأتاه عبد الرحمن بن مهدي، فلزمه.

ولما عُرف سفيان أنه اشتهر مكانه ومقامه، قال ليحيى: حوِّلني، فحوَّلَهُ إلى منزل الهيثم بن منصور، فلم يزل فيه، فكلَّمه حماد بن زيد في تخفيه عن السلطان، وقال: هذا فعل أهل البدع، وما يُخاف منه. فأجمع سفيان وحماد على أن يقدما بغداد [12]، وكتب سفيان إلى المهدي، وإلى يعقوب بن داود الوزير، فبدأ بنفسه، فقيل إنهم يغضبون من هذا. فبدأ بهم. وأتاه جوابُ كتابه بما يُحبُّ من التقريب والكرامة، والسَّمع منه والطاعة، فكان على الخروج إليه، فحُمَّ ومرض، وحضر الموتُ.

تنبيه مهم: من هذه الروايات وغيرها يتبيَّن لنا سفيان الثوري رحمه الله كان يكثر الإنكار على الأمراء الظلمة ويواجههم بشجاعة وجرأة بالغة، وهذه طريقة سلفية سديدة، وهي النصيحة وبيان الحق وإقامة الحجة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)[13]، فهذا رجل قام إلى الظالم في وجهه، ولم يذهب عنه بعيدًا ليحرض العوام والجهلة، ويثير الغوغاء، ويستغل المنابر، ويشعل الفتن، كما هو طريقة الخوارج الذين يتركون الأمر والنهي ثم يعتزلون المجتمع، ثم يصنعون لأنفسهم عالمهم الخاص لينقضوا على الأمة بعد ذلك بالقتل والتخريب والفوضى والإفساد في الأرض. ومن لم يفهم منهاج النبوة وطريقة السلف؛ استعمل الأخبار الواردة عن الثوري وغيره من الأئمة في غير موضعها وعلى غير وجهها.

 

مرضه ووفاته:

قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: مرض سفيان بالبَطَن، فتوضأ تلك الليلة ستين مرة، حتى إذا عاين الأمر، نزل عن فراشه، فوضع خدّه بالأرض، وقال: يا عبد الرحمن! ما أشدَّ الموت، ولما مات غمضه، وجاء الناس في جوف الليل، وعلموا.

وقال عبد الرحمن: كان سفيان يتمنى الموت ليسلم من هؤلاء ـ يعني: الأمراء ـ فلما مرض كرهه. وقال لي: اقرأ عليَّ (يس) فإنه يقال: يخفف عن المريض، فقرأتُ. فما فرغتُ حتى طُفئ.

وقيل: أُخرج بجنازته على أهل البصرة بغتة، فشهده الخلق، وصلَّى عليه عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر الكوفي، بوصية من سفيان، لصلاحه.

قال ابن المديني: أقام سفيان في اختفائه نحو سنة.

وكان موته رحمه الله في شعبان سنة (161 هـ).

وليكن آخر هذه الترجمة ما حدّث به أحمد بن يونس، قال: سمعتُ الثوري ما لا أحصيه، يقول: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم سلِّمنا، وارزقنا العافية في الدنيا والآخرة.

[1]سير أعلام النبلاء: 7/229 – 289.

[2]بقل وجهه وأبقل: خرج شعره.

[3]العرض: هو القراءة على الشيخ حفظاً أو من كتاب.

[4]يعني: ببذل الجهد، وهذا هو التعبير الصحيح، وقد انتشر في وسائل الإعلام استعمال تعبير (بالكاد) في مثل هذا الموضع، وهو من آفات الترجمة الحرفية من اللغات الأجنبية.

[5]الباعث الحثيث (34).

[6]راجع شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.

[7]علق الإمام الذهبي رحمه الله هنا: " أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطَّافة".

[8]راجع ترجمته من "السير" 7/361.

[9]هذه الأقوال ذكرها: الخلّال في كتابه الورع (350، 351، 354، 355). والمقصود بالنص الأخير: شعار الدولة العباسية، فقد كان العباسين قد اتخذوا لُبس السواد شعاراً لهم.

[10]هكذا ذكرها الذهبي، بصيغة (قيل) وكأن في ثبوتها شئ، فالله أعلم. وهناك روايات أخرى لا يتسع المقام لذكرها.

[11]ضبطه محققوا "السير" هكذا "فأُعْلِمَ سفيانُ بذلك"، والسياق يقتضي أن يكون الصواب ما أثبته، والله أعلم.

[12]هكذا كان أئمة السلف، في تواصيهم بالحق، وتواصيهم بالصبر.

[13]  سلسلة الأحاديث الصحيحة (374

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 17 2008, 15:26
رابط المشاركة #5


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




 

 

الإمام عبد الغني المقدسي

 

اسمه ونسبه:

هو: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الجمَّاعيلي، المقدسي، ثم الدمشقي ـ المنشإِ ـ، الصَّالحي، الحنبلي، تقيُّ الدين، أبو محمد.

مولده ونشأته:

ولد بجمَّاعيل من أرض نابلس من الأرض المقدسة، سنة (541) أو (543) أو (544) على خلافٍ، والأخير أظهر، فيما نقله ابن النجار رحمه الله عن الحافظ عبد الغني نفسه.

قدم من بيت المقدس إلى دمشق صغيراً، سنة (551)، مع جماعة من أقربائه من فصلاء المقادسة، من أبرزهم: أخوه الشيخ الزاهد: العماد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد (614 هـ) والإمام الفقيه موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (541 ـ 620 هـ)، وأخوه زاهد المقادسة الإمام أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة (528 ـ 607 هـ).

فنزلوا أولاً بمسجد أبي صالح ـ خارج الباب الشرقي لدمشق ـ، ثم انتقلوا منه إلى سفح جبل قاسيون، ضاحية دمشق، وليس به من العمارة شيء سوى دَيْر الحوراني، فعمَّروه بمساجد ومدارس ومساكن، يذكر فيها اسم الله كثيراً، ويُنشر فيها السنة والحديث ومذهب السلف، حتى سميت تلك البقعة بالصالحية لصلاحهم ـ كما ذكر غير واحدٍ ـ، وإن كان الشيخ أبو عمر ـ رحمه الله ـ يقول: "قيل لنا الصالحيِّين نسبةً إلى مسجد أبي صالح، لا أنَّا صالحون، وسميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية، نسبة إلينا".

في هذه البقعة العلمية الصالحة نشأ الحافظ رحمه الله، فقرأ القرآن وسمع الحديث في دمشق، ثم ارتحل هو والموفَّق إلى بغداد، في أول سنة (561)، فأنزلهما الشيخ عبد القادر الجيلي (الكيلاني) رحمه الله عنده في مدرسته، وكان لا يترك أحداً ينزل عنده، ولكنه توسَّم فيهما الخير، والنجابة، والصلاح، فأكرمهما وأسمعهما، ثم توفي بعد قدومهما بخمسين ليلة.

كان الحافظ ميله إلى الحديث، والموفَّق ميله إلى الفقه، وكما يقول الإمام الذهبي: "تفقَّه الحافظ، وسمع معه الموفق الكثير"، فلما رآهما العقلاء على التصوّن وقلة المخالطة أحبُّوهما، وأحسنوا إليهما، وحصَّلا علماً جماً، فأقاما ببغداد نحو أربع سنين، واشتغلا بالفقه والخلاف على شيخ الحنابلة أبي الفتح ابن المَنِّي (501 ـ 583 هـ)، والإمام أبي الفرج ابن الجوزي، ثم قدما دمشق.

ورحل الحافظ إلى مصر، ودخل الإسكندرية في سنة (566)، وأقام مدّةً عند الحافظ الكبير أبي طاهر السِّلَفيِّ (576 هـ)، وله رحلة أخرى إلى السِّلَفيِّ سنة (570)، ثم سافر أصبهان، فأقام بها مدة، وحصَّل الكتب الجيدة.

منزلته وثناء العلماء عليه:

قال أبو عبد الله ابن النجار: حدّث بالكثير، وصنَّف في الحديث تصانيف حسنة، وكان غزير الحفظ، من أهل الاتقان والتجويد، قيّماً بجميع فنون الحديث، عارفاً بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه، ومنسوخه، وغريبه، ومُشْكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته.

قال الضياء[2]: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل ـ يعني من رجال الأسانيد ـ إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني، ويذكر نسبه. قال: وأنا أقول: وكان الحافظ أمير المؤمنين في الحديث.

وقال إسماعيل بن ظَفَر: جاء رجل إلى الحافظ، فقال: رجلٌ حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث! فقال: لو قال أكثر لصدق.

قال الضياء: ورأيته على المنبر غير مرة، يقولون له: اقرأ لنا من غير كتابٍ. فيقرأ الحديث بأسانيده من حفظه.

وعندما خرج الحافظ إلى أصبهان، أشار عليه شيخه الحافظ أبو موسى المديني الإصبهاني (581 هـ)، أن يأخذ على أبي نُعيم الإصبهاني، في كتابه: "معرفة الصحابة". فقد كان يشتهي أن يأخذ هو على أبي نُعيم فما كان يجسر، فأخذ عبد الغني على أبي نُعيم نحواً من مئتين وتسعين موضعاً، في كتاب سمّاه: "تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نعيم في معرفة الصحابة". قال الذهبي: "جزءان، تدل على براعته وحفظه". وقد أثار هذا حفيظة بيت الخُجَندي، فقد كانوا أشاعرة، وكانوا يتعصبون لأبي نُعيم، وكانوا رؤساء البلد، فطلب الصدر الخُجَندي عبد الغني، وأراد هلاكه، فاختفى، وخرج إلى الموصل.

وقد أعجب الحافظ أبو موسى بكتاب عبد الغني، وكتب عليه تقريظاً بالغاً.

وقال التاج الكندي: لم يكن بعد الدّراقطني مثل الحافظ عبد الغني. وقال ـ أيضاً ـ: لم ير الحافظ مثل نفسه.

ووصفه الذهبي بـ"الإمام العالم، الحافظ الكبير، الصادق القدوة، العابد الأثري المتَّبِعُ، عالم الحفّاظ ... ".

أخلاقه وشمائله:

اجتمع للحافظ رحمه الله من العلم النافع، والعمل الصالح، وأخلاق العلماء ما أهَّله أن يكون من أرفعهم منزلة وشأناً في عصره، وهي كثيرة، وإنما أشارت كتب التراجم إلى شيء منها:

·        منها: حرصه على الوقت. بحيث كان لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة. قال أخوه العماد: "ما رأيت أحداً أشدَّ محافظةً على وقته من أخي". فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقيناً، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين، إلى قبل الظهر، وينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالنسخ أو التسميع إلى المغرب، فإن كان صائماً أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل، أو بعده، ثم يقوم كأن إنساناً يوقظه. قال نصر بن رضوان المقرئ: ما رأيت أحداً على سيرة الحافظ، كان مشتغلاً طول زمانه. قال الضياء: وكان قد ضعف بصره من البكاء والنسخ والمطالعة.

·        ومنها: ديانته ورقة قلبه: قال محمود بن سلامة التاجر الحرّاني: "كان الحافظ نازلاً عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا قليلاً، بل يصلي، ويقرأ، ويبكي". وهكذا كان في مجالسه، يقرأ الحديث فيبكي، ويبكي الناس كثيراً، وإذا فرغ دعا دعاءً كثيراً.

·        ومنها: سخائه وجوده: فكان لا يدّخر شيئاً، ديناراً ولا درهماً، مهما حصّل أخرجه، وكان يخرج بالليل بقفاف الدقيق، إلى بيوتٍ متنكراً في الظلمة، فيعطيهم، ولا يُعرف. وكان يُفتح عليه بالثياب، فيعطي الناس وثوبه مُرَقّع. قال الإمام الموفَّق: كان الحافظ يؤثر بما تصل يده إليه، سراً وعلانية. وقال سليمان بن رحمة الأسعردي [3]: بعث الأفصل ابن صلاح الدين إلى الحافظ بنفقةٍ وقمحٍ كثير، ففرّقه كله. وقال منصور الغضاري: شاهدت الحافظ في الغلاء بمصر، وهو ثلاث ليالٍ يؤثر بعشائه ويطوي، رأيت يوماً قد أهدي إلى بيت الحافظ مشمش فكانوا يفرّقون، فقال من حينه: فرِّقوا: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

·        عنايته بالصلاة واكثاره منها: فكان يقوم من الليل، ويصلي بين المغرب والعشاء، ويصلي في الضحى ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين ـ كما تقدم ـ. وهذا مبني على المسألة المشهورة: هل طول القيام أفضل، أم كثرة الركوع والسجود؟ فيظهر أن الحافظ رحمه الله كان يرى الثاني أفضل، وربما يكون هذا في صلاة النهار بخاصة، والله أعلم.

وكان يكثر من الوضوء، ربما توضأ من الليل سبع مرات أو ثمانياً، ويقول: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت اعضائي رطبة. وكان يقول: سألتُ الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته.

·        ومنها: قوَّته في الحق، فكان لا يرى منكراً إلا غيَّره بيده أو لسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، قال الضياء: قد رأيته مرة يَهْريقُ خمراً، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قوياً في بدنه، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبَّابات. قال الإمام الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه، وكنَّا مرة انكرنا على قوم وأرقنا خمرهم وتضاربنا، فسمع أخي أبو عمر، فضاق صدره، وخاصمنا، فلما جئنا إلى الحافظ طيَّب قلوبنا، وصوّب فعلنا، وتلا: {وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17].

وكان قد وضع الله له هيبةً في النفوس، فكان ينكر على السلاطين والأمراء وأولادهم، إنكاراً شديداً فلا يتجرؤون عليه، وربما عوتب في ذلك، فيقول: "أنا إذا رأيت شيئاً لا أقدر اصبر".

·                   ومنها: جهره بمذهب السَّلف: وقد قام عليه المبتدعة وآذوه، كما سيأتي، فلم يزدد إلا ثباتاً على الحق، رحمه الله.

وقد وصفه ابن خالته الإمام موفق الدين رحمه الله في كلمة جامعة، فقال: كان جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصِّبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خيرٍ إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمَّل الله وصيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعدواتهم، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمّر حتى يبلغ غرضه في روايتها، ونشرها.

جهوده في نشر العلم:

قال الضياء: وكان رحمه الله مجتهداً على الطلب، يكرم الطلبة، ويحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب علم يَفْهم: أمره بالرّحلة، ويفرح لهم بسماع ما يحصّلونه، وبسببه سمع أصحابنا الكثير.

قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ: ما رأيت الحديث في الشام كله إلا ببركة الحافظ. فإنني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرّضني.

وقد اعتنى بتربية أبناءه وتعليمهم، ورحَّلهم لطلب العلم، وهم:

-       عز الدين أبو الفتح محمد (566 ـ 613 هـ)، وهو ممن دخل بغداد غير مرة وسمع بها، كما سمع بدمشق وأصبهان.

-   جمال الدين أبو موسى عبد الله (581 ـ 629 هـ) سمع بدمشق وبغداد وأصبهان ومصر، وحدّث بدمشق ومصر وغيرهما، وتكلَّم فيه بعضهم بسبب تقرّبه من السلطان.

-   محي الدين أبو سليمان عبد الرحمن (583 أو 584 ـ 643 هـ) سمع بدمشق وبغداد ومصر، وحدث، وكان فقيهاً زاهداً.

وكان الحافظ رحمه الله يوصي أبناءه بقوله: "لا تضيِّعوا هذا العلم الذي قد تعبنا عليه".

ومن جهود الحافظ في نشر العلم، مجالس عامة، كان يجعلها للعامة، لوعظهم وتقريب العلم إليهم، وتغلب عليها: "الأحاديث والحكايات"، وقد جمعها في أجزاء جاوزت المئة، والجزء عند المحدّثين بحدود عشرين ورقة.

تصانيفه:

الحافظ رحمه الله من المكثرين في التصنيف، ومعظم تأليفه في الحديث، ولعل أشهرها: "عمدة الأحكام" في أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الامامان البخاري ومسلم رحمهما الله. وقد اعتنى به العلماء، وشرحه ابن الملقّن ـ ولما يطبع ـ، وابن دقيق العيد، وشرحه على طريقة الفقهاء، وقد طبعه قديماً الشيخ محمد منير الدمشقي رحمه الله، مع تعليقات وحواشٍ كثيرة، وشرحه من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام حفظه الله.

وللحافظ أجزاء حديثية كثيرة أغلبها في "المكتبة الظاهرية بدمشق"، طبع بعضها، منها "الترغيب في الدعاء والحث عليه" طبع حديثاً، وكتاب "العلم" رأيت العلامة الألباني ينقل منه في بعض تخريجاته، وأظنه طبع.

الكمال في معرفة الرجال:

والحافظ رحمه الله هو أول من ألَّف كتاباً جامعاً تناول فيه رجال الكتب الستة، وسماه: "الكمال في معرفة الرجال"، وهوعمل موسوعي متميّز لم يسبقه إليه أحد [4]، اجتهد فيه أن يستوعب جميع رجال الصحيحين، والسنن الأربعة قدر الإمكان، لكنه قال: "غير أنه لا يمكن دعوى الإحاطة بجميع ما فيها، لاختلاف النسخ، وقد يشذُّ عن الإنسان بعد إمعان النظر، وكثرة التتبع ما لا يدخل في وسعه" [5].

وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، فقال ياقوت الحموي (626 هـ): "جوّده جيداً". وقال الحافظ المزيّ: "وهو كتاب كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه رحمه الله عنايته إليه حق صرفها، ولا استقصى الأسماء التي اشتملت عليها هذه الكتب استقصاءاً تاماً، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعاً شامياً، فحصل في كتابه بسبب ذلك اغفال وإخلال" [6].

قلت: وهكذا كل ابداع جديد لابد أن يكون فيه نقص، يستدركه اللاحق، ويبقى للسابق فضيلة السبق، وهكذا كان، بحيث أن الإمام الحافظ الكبير جمال الدين أبو الحجَّاج يوسف المزيّ ـ صاحب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ المتوفي سنة (742 هـ) رحمه الله تعالى، لما أراد أن يضع كتاباً جامعاً لرجال الكتب الستة، لم يتجاوز كتاب عبد الغني، بل جعله أساساً لعمله وسمّاه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، حتى ظنَّ كثيرون أنه اختصارٌ لكتاب عبد الغني، مع أن حجم "تهذيبه" ثلاثة أضعاف "الكمال"، وهو أكثر استيعاباً ودقة، وأحسن تنظيماً منه، فقد اعتنى الحافظ المزيّ بكتابه عنايةً بالغة، وقضى في وضع صيغته النهائية المبيَّضة ثمانية أعوام إلا شهراً [7].

محنتهُ:

ابتلي الحافظ رحمه الله بثلاث محنٍ:

الأولى: في أصبهان، عندما ألف في نقد كتاب أبي نعيم، وقد تقدمت الإشارة إليها.

الثانية: في الموصل، وقد دخلها بعد خروجه من أصبهان، قال رحمه الله: كنَّا بالمَوْصل نسمع "الجرح والتعديل" للعُقََيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه. فجاءني رجل طويل معه سيف، فقلت: لعله يقتلني واستريح. قال: فلم يصنع شيئاً، ثم أُطلقتُ. وسبب خلاصه: أنه كان يسمع هو وابن البرني. فأخذ البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة، ففتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئاً.

الثالثة: وهي المحنة الكبيرة التي لازمته حتى آخر حياته رحمه الله تعالى.

وذلك أنه بعد خروجه من الموصل، دخل دمشق، وبدأ بنشر علمه، فكان رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق، وليلة الخميس، ويجتمع خلق، وكان يقرأ ويبكي ويبكي الناس، حتى إن من حضره مرة لا يكاد يتركه، وكان في أثناء ذلك يذكر أحاديث النزول، والصفات، ويشير إلى عقيدة السلف ومذهبهم إشارات جلية واضحة، فثار عليه متعصبة الأشاعرة المعطلة، ورموهم بالتجسيم، وهكذا بدأت محنة الحافظ في ظاهر الأمر .. لكن الذين ترجموا للحافظ اتفقوا على أن محنته كانت بسبب (حسد) أولئك إياه: أن اجتمع إليه وعليه الناس، وعلا شأنه، وبَعُد صيته، وكثر الانتفاع به. ولا شك أن هناك مناسبة بين الأمرين، فإنهم كانوا يعادونه للمنهج السلفي الذي هو عليه، ويحسدونه على ما ظهر عليه من أثره مما هو من جنس: "عاجل بشرى المؤمن". وقد قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54].

وهكذا شرعوا يعملون لهم وقتاً في الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس، فبعضهم ينام، وبعضهم يحضر وقلبه غير حاضر، فلم يشف قلوبهم، فشرعوا في مكيدة: فأمروا الناصح ابن الحنبليّ بأن يعظ بعد الجمعة تحت (...)، وقت جلوس الحافظ، وأمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه، حتى يشوش عليه، فأخر الحافظ ميعاده إلى العصر.

لقد كان الناصح أبو الفرج عبد الرحمن الأنصاري الحنبلي (634 هـ)، شيخاً "فاضلاً صالحاً" كما وصفه ابن كثير [8]، فلا ندري كيف استطاع الأشاعرة تجنيده لمناوأة الحافظ عبد الغني، واختيارهم إياه يدل على ذكائهم، إذ أرادوا من هذا الصراع أن يكون (حنبلياً ـ حنبلياً)، ويلعبوا هم دور المتفرج، ولا شك أن المبتدعة يتقنون صناعة الفتنة، لكن سرعان ما انقلب عليهم الناصح رحمه الله، ووقف مع الحنابلة موقفاً جيداً.

ولما كان في بعض الأيام، والناصح قد فرغ، وقد ذكر الإمام [9]، فدسُّوا إليه رجلاً ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح ـ ما معناه ـ: إنك تقول الكذب على المنبر؟ فضُرب الرجل وهرب، وخُبئ في الكلاسة. وهكذا تحقق لهم ما أرادوا، فمشوا إلى الوالي، وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، وهم .. وهم .. واعتقادهم. ثم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة، وقالوا للوالي: نشتهي أن تحضر الحافظ.

قال الضياء: وسمع مشايخنا، فانحدروا إلى المدينة ـ يعني: من سفح جبل قاسيون إلى دمشق ـ : خالي الموفق، وأخي الشمس البخاري، والفقهاء. وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ، فإنك حادٌ، ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ فأخذوه، ولم يعلم أصحابنا، فناظروه وكان أجهلهم يغري به، فاحتدَّ. وكانوا قد كتبوا شيئاً من اعتقادهم، وكتبوا خطوطهم فيه، قالوا له: اكتب خطَّك، فلم يفعل. فقالوا للوالي: قد اتفق الفقهاء كلهم وهذا يخالفهم، واستأذنوه في رفع منبره، فأرسلوا الأسرى [10] فرفعوا ما في جامع دمشق من منبرٍ وخزانة. وقالوا: نريد أن لا تجعل في الجامع إلا صلاة الشافعية. وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة في مكانهم، ففاتهم الظهر.

ثم إن النَّاصح جمع البنوية وغيرهم وقالوا: إن لم يخلُّونا نصلّي صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضي، وكان صاحب الفتنة، فأذن لهم، وخاف أن يصلّوا بغير إذنه. وكان الحنفية حموا مقصوراتهم بجماعة من الجند [11].

ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك وأقام بها مدة، وتوجَّه إلى مصر، فبقي بنابلس مدة يقرأ الحديث. ولقيه الملك الأفضل وهو متجه إلى دمشق، ففرح به وأكرمه، ونفذّ يوصي به بمصر.

فلما وصل إلى مصر تُلقي بالبشر والإكرام، وأقام بها يُسمع الحديث بمواضع ويجلس. وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائجة السلطان تمنعهم.. لكنهم ما زالوا يألبون عليه السلطان، حتى عزم الملك الكامل على اخراجه من مصر، ثم إنه أُعتقل في دارٍ سبع ليالٍ.

وربما كان الملك الكامل رحمه الله، على أشعريته أعقل من أولئك مثيري الفتنة، فقد وقف على اعتقاد الحافظ، وفيه: أقول كذا لقول الله تعالى كذا، وأقول كذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فقال الملك الكامل: أيش أقول في هذا؟ يقول بقول الله وقول رسول الله؟ فخلَّى عنه.

لقد كان من الرؤوس المدبرة لهذه الفتنة القاضي ابن الزكي، والخطيب الدّولعي، وقد مات كلاهما في سنة (598 هـ) وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله، أن ابن الزكي: "خولط في عقله، فكان يعتريه شبه الصرع، إلى أن توفي هذه السنة، ويقال: إن الحافظ عبد الغني دعا عليه، فحصل له هذا الداء العضال، ومات، وكذلك الخطيب الدّولعي، توفي فيها. وهما اللذان قاما على الحافظ عبد الغني فماتا في هذه السنة، فكانا عبرةً لغيرهما."

وقد تناول ابن المظفَّر سبط ابن الجوزي في: "مرآة الزمان" هذه الفتنة تناولاً غير دقيق ولا مُنصف، فزعم: "إجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره، وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين ...".

وقد ردّ عليه الحافظ الذهبي رحمه الله في ثلاث مواضع:

الأول: في "تاريخ الإسلام" فقال: "قوله: "وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره" كلام ناقص، وهو كذب صريح، وإنما أفتى بذلك بعض الشافعية الذين تعصبوا عليه، وأما الشيخ الموفق، وأبو اليمن الكندي، شيخا الحنفية والحنابلة فكانا معه. ولكن نعوذ بالله من الظلم والجهل."

الثاني: ما قرأه ابن رجب رحمه الله بخط الذهبي: " ... فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو [12]. ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين [13]: من أن الصفات الثابت محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شيء." [14]

الثالث: في "السِّير" قال: "قد بلوت على أبي المظفر المجازفة، وقلة الورع فيما يؤرخه والله الموعد، وكان يترفض، رأيت له مصنفا في ذلك فيه دواهٍ[15]، ولو أجمعت الفقهاء على تكفيره كما زعم لما وسعهم إبقاؤه حيا، فقد كان على مقالته بدمشق أخوه الشيخ العماد والشيخ موفق الدين، وأخوه القدوة الشيخ أبو عمر، والعلامة شمس الدين البخاري، وسائر الحنابلة، وعدّة من أهل الاثر، وكان بالبلد أيضا خلق من العلماء لا يكفرونه. نعم: ولا يصرّحون بما أطلقه من العبارة لما ضايقوه، ولو كف عن تلك العبارات، وقال بما وردت به النصوص لاجاد ولسلم، فهو الأولى، فما في توسيع العبارات الموهمة خير. وأسوأ شيء قاله: أنه ضلل العلماء الحاضرين، وأنه على الحق. فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء، رحم الله الجميع وغفر لهم، فما قصدهم إلا تعظيم الباري عزوجل من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف رضي الله عنهم.

وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين والعلم والتأله والصَّدْع بالحق، ومحاسنه كثيرة، فنعوذ بالله من الهوى والمراء والعصبية والافتراء، ونبرأ من كل مجسِّم ومعطِّل."

قلت: تصدّي الحافظ الذهبي رحمه الله للرد على أبي المظفر في هذه المواضع المتكررة، مما يدل على غيرته لأئمة السلف، وانتصاره لهم، وإجلاله إياهم، وله من هذا في ثنايا كتبه الشيء الكثير الطيب، وقد اشتكى وتذمر من صنيعه هذا: تلميذه التاج ابن السُّبْكي الأشعري المتعصِّب، فقال: " ... وإنما ننكر وندفع من شيخنا تعرّضه كل وقتٍ لذكر العقائد، وفتحه لأبواب مقفلة، وكلامه فيما لا يدريه، ... " [16]. يقول هذا مع ما عليه شيخه الذهبي رحمه الله من العلم والإنصاف، والأدب في النقد، ومع ما يكون عنده أحياناً من التساهل في العبارة، كما في قوله هنا: "فما قصدهم إلا تعظيم الباري عزوجل من الطرفين"، وقوله: "ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة"، فهذه العبارات مما يمكن أن يدخل عليه النقد منها، لكن له في مواضع أخرى عبارات قوية وصريحة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

وفاته:

قال الحافظ أبو موسى: مرض والدي ـ رحمه الله ـ في ربيع الأول، سنة ست مئة مرضاً شديداً، منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستة عشر يوماً، وكنت كثيراً ما أسأله: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الإثنين جئت إليه،  وكان عادتي أبعث من يأتي كل يوم بكرة بماء حار من الحمام يغسل به أطرافه. فلما جئنا بالماء على العادة مدَّ يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الفجر، ثم قال: يا عبد الله، قم فصل بنا وخفف، فقمت فصليت بالجماعة، وصلَّى معنا جالساً. فلما انصرف الناس جئت، فجلست عند رأسه، وقد استقبل القبلة، فقال لي: اقرأ عند رأسي سورة "يس" فقرأتها، فجعل يدعو الله وأنا أؤمن، فقلت: هاهنا دواء قد عملنا تشربه؟ فقال لي: يا بنيّ ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله تعالى. قلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى والله، أنا عنك راض، وعن إخوتك، وقد أجزت لك ولإخوتك ولابن أخيك إبراهيم.

وكان أبو موسى يقول: أوصاني أبي عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذي تعبنا عليه؛ يعني الحديث. فقلت: ما توصيني بشيء؟ قال: مالي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء. قلت: توصيني بوصية؟ قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته.

فجاء جماعة يعودونه، فسلموا عليه، فرد عليهم السلام، وجعلوا يتحدثون، ففتح عينيه، وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله تعالى، قولوا: لا إله إلا الله، فقالوها، ثم قاموا. فجعل يذكر الله، ويحرك شفتيه بذكره، ويشير بعينيه، فدخل رجل فسلم عليه، وقال له: ما تعرفني يا سيدي؟ فقال: بلى. فقمت لأُناوله كتاباً من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه، وذلك يوم الاثنين، الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول، من سنة ست مئة. وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد، واجتمع الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل، ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة، مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق في مكان ذكر لي خادمه عبد المنعم: أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكي فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبي يرتاح إلى هذا المكان، رحمه الله وعفا عنه.

[1]مصادر ترجمته: الذهبي: سير أعلام النبلاء: 21/443 – 471 وتاريخ الإسلام: (591 – 600 هـ) رقم: 591، وابن كثير: البداية والنهاية: 13/38 – 39، وابن مفلح (884 هـ) المقصد الاحمد: 2/152، والعليميّ (928 هـ): المنهج الأحمد: 4/53.

[2]هو ضياء الدين أبو عبد الله المقدسي (643 هـ)، كتب سيرة الحافظ في جزئين.

[3]هو من تلاميذ الحافظ عبد الغني، وبه تخرّج، وكان له اعتناء بالأثر، فكان أهل البدع يؤذونه فيكشطون الدال من الأسعردي، ويعجمون السين، فيصير: الأشعري! فيغضب لذلك، توفي سنة 639 هـ رحمه الله تعالى.

[4]إلا ما كان من حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر (499 – 571 هـ) في كتابه: "المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل"، وهو خاص بشيوخ مصنّفي الكتب الستة دون الرواة الآخرين.

[5]مقدمة "الكمال" نسخة خدابخش المخطوطة، وعنها نقل أستاذنا الدكتور بشار عوّاد معروف في مقدمته لـ(تهذيب الكمال) 1/39.

[6]مقدمة "تهذيب الكمال".

[7]أفاده أستاذنا الدكتور بشار في مقدمة السابق 1/37 – 49 في دراسة قيمة.

[8]البداية والنهاية: 13/134.

[9]لم أفهم هذه الكلمة.

[10]علق هنا أستاذنا الدكتور بشار: هكذا في الأصل، وفي الذيل لابن رجب، والظاهر أنه اسم لجماعة من أعوان الوالي من الشرطة أو الجيش (هامش السير 21/460).

[11]هذا يدل على أن افتراق الناس في المساجد على أساس المذهبية كان موجوداً في ذلك الوقت، وقبل ذلك الوقت! وقد كانت في المسجد الحرام في العصور المتأخرة أربعة محاريب للصلاة حتى أزالها قبل نحو قرن من الزمان الملك الصالح الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ووَّحد المسلمين خلف إمام واحد، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

[12]قوله: "وكفّرهم هو" يحتاج إلى اثبات صريح، ولم أجده.

[13]قوله: "خلق من العلماء" يعني في ذلك الزمان وقد صار الإسلام الصحيح غريباً، وإلا فإن اثبات الصفات هو مذهب الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة الحديث والفقه والتفسير، ولم يخالفهم في القرون الأولى إلا: "خلق من المبتدعين".

[14]ذيل طبقات الحنابة: 2/24.

[15]توفي سنة (654 هـ)، وقد تكلم عليه جرحاً شيخ الإسلام رحمه الله في "منهاج السنة".

[16]طبقات الشافعية الكبرى: 7/134.

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 17 2008, 15:26
رابط المشاركة #6


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




 

الإمام الأوزاعيُّ رحمه الله

خصَّ الله تعالى بلاد الشام بفضائل عديدة، وبركات متزايدة، ورد ذكرها في أحاديث صحيحة، ولا شك أن من أعظم مظاهرها: أن غرس الله فيها على مرِّ عصور الإسلام أئمة أجلاء، يستعملهم في طاعته، ونصرة دينه، والذبّ عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد عطَّروا التاريخ بسيرتهم الطيبة، ونفعوا العباد والبلاد بدعوتهم المباركة، وأغنوا المكتبة الإسلامية بنتاج علمي غزير، وهم في ذلك كثيرون متواصلون متعاقبون، كلما انقضى منهم قرن خلفهم آخر، حتى يأتي أمر الله تعالى.

وقد أسعدني الله سبحانه بالاطلاع على شيء من تراجمهم وأخبارهم، فاستوقفتني سيرة الإمام الأوزاعي رحمه الله، إذ هو علم شامخ متميِّز في تاريخ علماء بلاد الشام، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية لما أراد أن يبلغ في الثناء على فقه الإمام الموفق ابن قدامة المقدسيِّ (ت: 620هـ) رحمه الله غايته، قال: ما دخل الشام بعد الأوزاعيِّ أفقه من الموفَّق[1].

هو: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أبو عمروٍ الأوزاعي، كان مولده في حياة الصحابة، وحدَّث عن خلقٍ كثير من التابعين وغيرهم، قال ابن سعد: الأوزاع بطن من همدان، وهو من أنفسهم كذا قال، وخالفه بعض المؤرخين الشاميين، فقالوا: لم يكن من أنفسهم، وإنما نزل في محلة الأوزاع ـ وهي قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق ـ فغلب عليه النسبة إليها، وأصله من سبي السِّنْد. ومهما يكن فليس هنا موضع التحقيق في تفاصيل ترجمته، وإنما المقصود الوقوف عند بعض الجوانب من شخصيته وسيرته الطيبة النَّضرة:

-       من ذلك ما ذكره المؤرخون أنه ولد ببعلبك، ونشأ بالبقاع، يتيمًا في حجر أمِّه، وكانت تنتقل به من بلدٍ إلى بلدٍ، وتأدَّب بنفسه، قال العباس بن الوليد: "فما رأيت أبي يتعجَّب من شيء في الدنيا، تعجبه من الأوزاعي. فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء! كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر أمه، تنقله من بلدٍ إلى بلدٍ، وقد جرى حكمك فيه أن بلَّغته حيث رأيته. يا بني! عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدبَ الأوزاعي في نفسَه".

قلتُ: وفي هذا إشارة إلى ما كان معروفاً في تلك الأزمان من أن الملوك والأغنياء، كانوا يتوفرون على تربية أبنائهم، ويستقدمون لتأديبهم وتعليمهم أشهر العلماء، وأقدر المعلِّمين، أما الأوزاعي رحمه الله، فقد نشأ يتيماً فقيراً، وبين اليتم والفقر مناسبة أكيدة، ومع هذا فقد صار بتوفيق الله له، ثم بتأديبه لنفسه، وحرصه على العلم والتعلُّم، أعلم من أبناء أولئك وأحلم منهم – إن كان فيهم شئ من علمٍ أو حلمٍ -، وفي هذا جانب من تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوقَّ الشرّ يوقه" (صحيح الجامع الصغير: 2328)، وهذا حديث جامع نافع، يحسن بالعاقل أن يقف عنده طويلاً، ويتأمل حقائقه في سيرورة حياته، وحياة الناس من حوله.

-       لقد انقلبت محنة والدته رحمها الله في حقه منحةٍ، إذ كانت تنتقل به من بلدٍ إلى بلدٍ، فيستفيد هو علماً وأدباً، فالهجرة والسَّير في أرض الله تعالى حالة إيجابية نجدها في سيرة معظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وورثتهم من العلماء ومن سار على نهجهم، فهي في حقهم توفيق ورشاد، أما الذين يعيشون في هامش الحياة، فليست الهجرة والغربة في حقهم إلا تيهاً وضياعاً. وكان رحمه الله يعاني في هذا السبيل الرسائل والكتابة، فكان يعمل في: "الديوان" مُنشأً وكاتباً بالأجرة، وقد خرج في بعثٍ إلى اليمامة، فأتى مسجدها، فصلَّى، وكان يحيى بن أبي كثير قريباً منه، فجعل ينظر إلى صلاته، فأعجبته، ثم إنه جلس إليه، وسأله عن بلده، وغير ذلك، فترك الأوزاعيُّ الديوان، وأقام عنده مدةً يكتب عنه، فقال له: ينبغي لك أن تبادر البصرة لعلك تدرك الحسن، وابن سيرين، فتأخذ عنهما، فانطلق إليهما، فوجد الحسن قد مات، وابن سيرين مريض، فجعل يدخل عليه ويعوده، ومكث أيامًا ومات، ولم يسمع منه.

وهاهنا ثلاث فوائد:

الأولى: ملاحظة يحيى بن أبي كثير رحمه الله لصلاة الأوزاعي، وهذه سنة قديمة نجدها عند السَّلف، ويتكرر في كتب التراجم قولهم: " فلان حسن الصلاة"، "وما رأينا أحسن صلاة من فلان"، وهذا لعنايتهم بالصلاة، وحرصهم على سُنَنها وآدابها، وقد غفل المسلمون عن هذه السُّنة قروناً، حتى أحياها في هذا العصر السَّلفيُّون، بتعليمهم الناس صفة صلاة نبيهم صلى الله عليه وسلم وآدابها الظاهرة والباطنة، فلله درُّهم: كم من سنة مهجورة أحيوها؟!

الثانية: انتهاز الأوزاعي فرصة لقائه بهذا الشيخ المحدّث، فترك عمله، وقطع سفره، وتفرغ للأخذ عنه، وهذا مُتفرّعٌ عن معرفته بقدر أهل العلم، وحرصه على الاستفادة منهم، أما من أعجبته نفسه، وأهلكه الكبر: كيف يتواضع لهم؟

الثالثة: أن الشيخ لما وجد في التلميذ الحرص على العلم، وحَدَسَ فيه الخير، وجَّهه إلى ما هو أنفع له، أن يبادر إلى البصرة، لعله يدرك من هو أكبر منه في العلم، وأقدم في السماع. وهذه هي العلاقة الأصيلة بين التلميذ والشيخ: التلميذ يتواضع، ويصبر على الطلب، والشيخ يعلِّمه ويرشده، ببصيرة العلماء، وحرص الآباء.

-   العلم الصحيح النافع يورث خشية وتقوى، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، ولهذا عُرف أئمة السنة والحديث، بالتقوى وكثرة التعبد، من غير تنطعٍ ولا غلوٍ، وانعكس ذلك على سلوكهم فأثمر أخلاقاً طيبة، وسيرة محمودة.

كان الأوزاعي كثير العبادة، حسن الصلاة، ورعاً ناسكاً، طويل الصمت، وكان يقول: مَنْ أطال قيام الليل، هوَّن الله عليه وقوف يوم القيامة. قال ابن كثير: أخذ ذلك من قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27]. وكان الوليد بن مسلم يقول: ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي. وقال الوليد بن مَزْيد: كان الأوزاعي من العبادة على شيء ما سمعنا بأحدٍ قَوِيَ عليه، ما أتى عليه زوال قطُّ إلا وهو قائم يصلّي. وقد سُئل رحمه الله عن الخشوع في الصلاة، فقال: غضُّ البصر، وخفض الجناح، ولينُ القلب ـ وهو الحزن والخوف ـ. وكان يقول: من أكثر ذكر الموت، كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله: قلَّ كلامه. وقال أبو مسهر رحمه الله: ما رُئي الأوزاعيُّ باكياً قطُّ[2]، ولا ضاحكًا حتى تبدو نواجذه، وإنما كان يتبسم أحيانًا كما ورد في الحديث. وكان يحيي الليل صلاةً وقرآناً وبكاءً. وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت: أنَّ أمَّه كانت تدخل منزل الأوزاعيِّ، وتتفقَّد موضع مصلاه، فتجده رَطبًا من دموعه في الليل.

-       عاش الأوزاعي رحمه الله في النُّصف الأول من القرن الثاني، أي: قبل انقضاء القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ومع هذا نجد قضية الانتماء إلى السَّلف الصالح واضحة في أقواله. قال رحمه الله: عليك بآثار مَنْ سَلَف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول، فإنّ الأمر ينجلي و أنت على طريق مستقيم.

وهذه القضية المنهجية لم ينفرد الأوزاعي في الإشارة إليها، بل تجدها عند معظم الأئمة من معاصريه، وممن هم قبله، ونصوصهم في ذلك كثيرة، يحسن استحضارها والتنبيه عليها مرارًا وتكرارًا، حتى يُعلم أن الانتماء إلى السَّلف سنة قديمة، فإذا كان أولئك الأئمة قد نبهوا إليه في ذلك الوقت المبكِّر، والسنَّة ظاهرة عزيزة، فكيف يعاب على من ينتمي إلى السَّلف، ويدعو إلى السَّلفية في هذه الأيام الأخيرة من عمر الدنيا، وقد طال الأمد، واشتد الخلاف، وكثر الدعاة على أبواب جهنم؟!

وإذا كانت النُّصوص التي وصلت إلينا من أقوال هذا الإمام قليلةً، فإننا لا نعدم فيها الإشارة إلى بعض معالم منهج السلف:

روى البهقي في: "الأسماء والصفات"، عن محمد بن كثير المصيصي، قال سمعت الأوزاعيَّ يقول: "كنَّا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته."

وقال بقية بن الوليد: قال لي الأوزاعي: يا بقية! لا تذكر أحدًا من أصحاب نبيك إلا بخيرٍ. يا بقية! العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عنهم، فليس بعلمٍ.

وكان رحمه الله يقول: لا يجتمع حبُّ علي وعثمان رضي الله عنهما إلا في قلب مؤمن. ويقول أيضاً: إذا أراد الله بقوم شرًّا فتح عليهم باب الجدل، ومعنهم العمل.

ولا تقف السلفيةُ عند الأوزاعي في حدود العلم والاعتقاد، بل تمتد إلى العبادة والسلوك، كما قال الوليد بن مسلم: رأيتُ الأوزاعيَّ يثبتُ في مصلاه، يذكر الله حتى تَطْلع الشمس، ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس، قام بعضهم إلى بعضٍ، فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه.

ويحذِّر رحمه الله من تتبع رخص العلماء، فيقول: من أخذ بنوادر العلماء، خرج من الإسلام. ويقول: كان يُقال: ويلٌ للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلِّين الحرماتِ بالشُّبُهات.

-       وبهذا وضع الله له القبول في الأرض، فأثنى عليه الأئمة، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته. قال الخُريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه. وقال إسماعيل بن عيَّاش: سمعتُ الناس في سنة أربعين ومئة يقولون: الأوزاعيُّ اليوم عالم الأمة. وقال مالك بن أنس رحمه الله: الأوزاعيُّ إمام يقتدى به. وهذه الكلمة من الإمام مالك لها قيمتها، فليس كل أحدٍ يصلح عنده للإمامةِ، وقد حدَّث الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، قال: دخل سفيان الثوري والأوزاعيُّ على مالك، فلما خرجا، قال: أحدُهما أكثر علمًا من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة ـ يعني الأوزاعي للإمامة ـ. والمقصود: الإمامة في الدِّين والعلم. وقد تأملت السرَّ في هذا فوجدته في أمرين:

الأول: أن الأوزاعيَّ قد اجتمعت فيه معاني "القدوة"، وكان هو منتبهًا إلى ذلك، فكان يقول: كنّا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذا صرنا أئمة يقتدى بنا فلا نرى أن يسعنا ذلك، وينبغي أن نتحفَّظ. أما الثوريُّ رحمه الله فقد كان مزَّاحًا، وكان يضحك حتى يستلقي ويمدَّ رجليه. قال زيد بن أبي الزَّرقاء: كان المعافَى يعظُ الثوريَّ، يقول: يا أبا عبد الرحمن! ما هذا المزاح؟ ليس هذا من فعل العلماء! وسفيان يقبل منه.

الثاني: ما ذكره أبو إسحاق الفزاري، قال: ما رأيتُ مثل الأوزاعيِّ والثوريِّ! فأما الأوزاعيُّ، فَكان رجلَ عامَّةٍ، وأما الثوريُّ فكان رجلَ خاصَّةِ نفسِهِ.

وهذه المسألة نسبية، وإلا فقد قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدري من الإمامُ؟ الإمامُ سفيان الثوريُّ، لا يتقدَّمه أحدٌ في قلبي!

-       وكان الأوزاعيُّ على صلةٍ وثيقةٍ مع علماء عصره، وقد كتب إليه قتادة بن دعامة السَّدوسي من البصرة: "إن كانت الدّارُ فرَّقَتْ بيننا وبينكَ، فإن أُلفةَ الإسلام بين أهلها جامعةٌ".

وها هو ذا يحج، فيدخل مكة، فيتلقاه سفيان الثوريُّ، فيأخذ بزمام جمله، ويسوق به مالك بن أنس، والثوريُّ يقولُ: افسحوا للشيخ! حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه، يأخذان عنه!

لله! ما أعظم هذا المشهد! وما أروعه! لا يعرف قدر العلم وحملته إلا العلماء، فمن أراد أن يعرف من هم العلماء فليرجع إليهم، فإن بعضهم يَعْرف بعضًا، وبعضهم يُعرِّفُ ببعضٍ.

-       وكان الأوزاعيُّ رحمه الله في علاقته بولاة الأمور على منهج أئمة الهدى: لا يأتيهم، ولا ينازعهم ملكهم، ولا يستغلُّ مكانته الدينية للشَّغب عليهم، ولكن: إذا لقيهم، أو دخل عليهم واجههم بالنصيحة الخالصة: قويةٌ صريحةٌ، فيعلمون أنه لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة، فيهابونه ويكرمونه. وقد حدّثَ ابن أبي العشرين، قال: سمعتُ أميرًا كان بالساحل يقول ـ وقد دفنَّا الأوزاعيَّ، ونحن عند القبر ـ: رحمك الله أبا عمروٍ، فلقد كنتُ أخافكَ أكثر ممن ولاني!

ولما دخل عبد الله بن علي ـ عمُّ السفاح ـ دمشق، وأجلى بني أُمية عن الشام، وأزال الله سبحانه دولتهم على يديه، طلبَ الأوزاعيَّ، فتغيَّب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه، فقال: يا أوزاعيُّ! أيعدُّ مقامنا هذا ومسيرنا رباطاً؟ قال: فتفكَّرتُ، ثم قلت: لأَصْدُقَنَّه، واستبسَلتُ للموت، ثم رويت له عن يحيى بن سعيد حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وبيده قضيب ينكثُ به. ثم قال: يا أبا عبد الرحمن ما تقول في قتل أهل هذا البيت ـ يعني: بني أمية ـ؟ قلتُ: حدثني محمد بن مروان، عن مطرِّف بن الشِّخير، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلُّ قتل المسلم إلا في ثلاثٍ: ... الحديث". فقال: أخبرني عن الخلافة: وصيةٌ لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: لو كانت وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك عليٌّ رضي الله عنه يتقدَّمه. قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قلت: إن كانت لهم حلالاً، فهي عليك حرام، إن كانت عليهم حراماً، فهي عليك أحرمُ، فأمرني، فأُخرجت.

قال الذهبي رحمه الله: قد كان عبد الله بن عليّ ملكاً جباراً، سفاكاً للدماء، صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعيُّ يصدعه بمرِّ الحق كما ترى، لا كخَلْقٍ من علماء السُّوء، الذين يحسِّنُون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم والعَسْف، ويَقْلِبُونَ لهم الباطل حقًّا ـ قاتلهم الله ـ أو يسكتون مع القدرة على بيان الحقِّ.

-       ثم رحل الأوزاعي من دمشق، فنزل بيروت مرابطاً بأهله وأولاده. ومات فيها سنة (157 هـ) وسبب موته أنه دخل الحمام فأغلقت امرأته ـ هي أو غيرها ـ عليه باب الحمام، غير متعمِّدة، فمات، ووجدوه موسدًا ذراعهُ إلى القبلة.

مات الأوزاعيُّ رحمه الله فخرجت في جنازته أربعةُ أمم: فحمله المسلمون، وخرجت اليهود في ناحية، والنصارى في ناحية، والقبط في ناحية. وبقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحوًا من مئتين وعشرين سنة، وتزخر كتب السنة ـ الصحيحان والسنن والمسانيد ـ بمئاتٍ من مروياته، وهذه بركة الدعوة عندما تقوم على العلم والإخلاص، ونصرة الإسلام والسنة.

ترجمة الأوزاعي ومصادرها في (سير أعلام النبلاء) للذهبي 7/107-134، و(البداية والنهاية) لابن كثير 10/115-120.

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 18 2008, 00:03
رابط المشاركة #7


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




الامام البخاري

اميرالحديث

الإمام الجليل والمحدث العظيم محمد بن إسماعيل البخاري أمير أهل الحديث وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، يقول البخاري: صنفت الصحيح في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.

ولم يشهد تاريخ الإسلام مثله في قوة الحفظ ودقة الرواية والصبر على البحث مع قلة الإمكانات، حتى أصبح منارة في الحديث وفاق تلامذته وشيوخه على السواء.

ويقول عنه أحد العلماء: لا أعلم أني رأيت مثله كأنه لم يخلق إلا للحديث.

فمع سيرة البخاري ومواقف من حياته.

------------

نسبه ومولده

هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري وكلمة بردزبه تعني بلغة بخارى "الزراع"

أسلم جده "المغيرة" على يدي اليمان الجعفي والي بخارى وكان مجوسيا وطلب والده إسماعيل بن إبراهيم العلم والتقى بعدد من كبار العلماء، وروى إسحاق بن أحمد بن خلف أنه سمع البخاري يقول سمع أبي من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه.

ولد أبو عبد الله في يوم الجمعة الرابع من شوال سنة أربع وتسعين.

ويروى أن محمد بن إسماعيل عمي في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام فقال لها يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك أو كثرة دعائك شك البلخي فأصبحت وقد رد الله عليه بصره.

------------

قوة حفظه وذاكرته

ووهب الله للبخاري منذ طفولته قوة في الذكاء والحفظ من خلال ذاكرة قوية تحدى بها أقوى الاختبارات التي تعرض لها في عدة مواقف.

يقول محمد بن أبي حاتم: قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك قال ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب فقلت كم كان سنك فقال عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له ارجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت:هو الزبير بن عدي عن إبراهيم.

فأخذ القلم مني وأحكم( أصلح) كتابه وقال: صدقت.

فقيل للبخاري ابن كم كنت حين رددت عليه قال ابن إحدى عشرة سنة.

ولما بلغ البخاري ست عشرة سنة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع.

وقال محمد بن أبي حاتم الوراق سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما تصنع فقال لنا يوما بعد ستة عشر يوما إنكما قد أكثرتما على وألححتما فاعرضا على ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ثم قال أترون أني أختلف هدرا وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.

وقال ابن عدي حدثني محمد بن أحمد القومسي سمعت محمد ابن خميرويه سمعت محمد بن إسماعيل يقول أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح

قال وسمعت أبا بكر الكلواذاني يقول ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلماء فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الأحاديث بمرة.

------------

طلبه للحديث

رحل البخاري بين عدة بلدان طلبا للحديث الشريف ولينهل من كبار علماء وشيوخ عصره في بخارى وغيرها.

وروي عن البخاري أنه كان يقول قبل موته: كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كانوا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

ونعود إلى البخاري في رحلته في طلب العلم ونبدأها من مسقط رأسه بخارى فقد سمع بها من الجعفي المسندي ومحمد بن سلام البيكندي وجماعة ليسوا من كبار شيوخه ثم رحل إلى بلخ وسمع هناك من مكبن بن إبراهيم وهو من كبار شيوخه وسمع بمرو من عبدان بن عثمان وعلي بن الحسن بن شقيق وصدقة بن الفضل. وسمع بنيسابور من يحيى بن يحيى وجماعة من العلماء وبالري من إبراهيم بن موسى.

وفي أواخر سنة 210هـ قدم البخاري العراق وتنقل بين مدنها ليسمع من شيوخها وعلمائها. وقال البخاري دخلت بغداد آخر ثمان مرات في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل فقال لي في آخر ما ودعته يا أبا عبد الله تدع العلم والناس وتصير إلى خراسان قال فأنا الآن أذكر قوله.

ثم رحل إلى مكة وسمع هناك من أبي عبد الرحمن المقرئ وخلاد بن يحي وحسان بن حسان البصري وأبي الوليد أحمد بن محمد الأزرقي والحميدي.

وسمع بالمدينة من عبد العزيز الأويسي وأيوب بن سليمان بن بلال وإسماعيل بن أبي أويس.

وأكمل رحلته في العالم الإسلامي آنذاك فذهب إلى مصر ثم ذهب إلى الشام وسمع من أبي اليمان وآدم بن أبي إياس وعلي بن عياش وبشر بن شعيب وقد سمع من أبي المغيرة عبد القدوس وأحمد بن خالد الوهبي ومحمد بن يوسف الفريابي وأبي مسهر وآخرين.

------------

مؤلفات البخاري

عد العلماء كتاب الجامع الصحيح المعروف بـ"صحيح البخاري" أصح كتاب بعد كتاب الله، ويقول عنه علماء الحديث "هو أعلى الكتب الستة سندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شيء كثير من الأحاديث وذلك لأن أبا عبد الله أسن الجماعة وأقدمهم لقيا للكبار أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة عنهم"

ويقول في قصة تأليفه "الجامع الصحيح ":" كنت عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب"

ويقول في بعض الروايات:

ـ أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مائة ألف حديث.

ـ ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.

ـ ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب.

ويروي البخاري أنه بدأ التأليف وعمره 18 سنة فيقول:

"في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله في الليالي المقمرة وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب، وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي فإذا جئت أستحي أن أسلم عليهم فقال لي مؤدب من أهلها كم كتبت اليوم فقلت: اثنين وأردت بذلك حديثين فضحك من حضر المجلس فقال شيخ منهم لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يوما"

وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم قلت لأبي عبد الله تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف فقال لا يخفى علي جميع ما فيه، وسمعته يقول صنفت جميع كتبي ثلاث مرات.

------------

دقته واجتهاده

ظل البخاري ستة عشر عاما يجمع الأحاديث الصحاح في دقة متناهية، وعمل دؤوب، وصبر على البحث وتحري الصواب قلما توافرت لباحث قبله أو بعده حتى اليوم، وكان بعد كل هذا لا يدون الحديث إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين.

يروي أحد تلامذته أنه بات عنده ذات ليلة فأحصى عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة.

وقال محمد بن أبي حاتم الوراق كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارا ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها.

وروي عن البخاري أنه قال: لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث إن كان الرجل فهما، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون.

وكان العباس الدوري يقول: ما رأيت أحدا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل كان لا يدع أصلا ولا فرعا إلا قلعه ثم قال لنا لا تدعوا من كلامه شيئا إلا كتبتموه.

------------

تفوقه على أقرانه في الحديث

ظهر نبوغ البخاري مبكرا فتفوق على أقرانه، وصاروا يتتلمذون على يديه، ويحتفون به في البلدان.

فقد روي أن أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شابا لم يخرج وجهه.

وروي عن يوسف بن موسى المروروذي يقول كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري فقاموا في طلبه وكنت معهم فرأينا رجلا شابا يصلي خلف الأسطوانة فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء فأجابهم فلما كان الغد اجتمع قريب من كذا كذ ألف فجلس للإملاء وقال يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون منها.

وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا لإسناد هذا و إسناد هذا لمتن هذا ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس فاجتمع الناس وانتدب أحدهم فسأل البخاري عن حديث من عشرته فقال لا أعرفه وسأله عن آخر فقال لا أعرفه وكذلك حتى فرغ من عشرته فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز ثم انتدب آخر ففعل كما فعل الأول والبخاري يقول لا أعرفه ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس وهو لا يزيدهم على لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فكذا والثاني كذا والثالث كذا إلى العشرة فرد كل متن إلى إسناده وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول الكبش النطاح.

وروي عن أبي الأزهر قال كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة البخاري فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد اليمن في إسناد الحرمين فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن.

وقال أحيد بن أبي جعفر والي بخارى قال محمد بن إسماعيل يوما رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت له: يا أبا عبد الله بكماله قال: فسكت.

------------

من كلمات البخاري

[لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة]

[ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته إلا ما لم يظهر لي]

[ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه]

------------

مواقف من حياة البخاري

وقال بكر بن منير سمعت أبا عبد الله البخاري يقول أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا قلت صدق رحمه الله ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر ونحو هذا. وقل أن يقول فلان كذاب أو كان يضع الحديث حتى إنه قال إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم واه وهذا معنى قوله لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا وهذا هو والله غاية الورع.

يقول محمد بن أبي حاتم: كان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة وكان لا يوقظني في كل ما يقوم فقلت أراك تحمل على نفسك ولم توقظني قال أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك.

*يروي البخاري فيقول كنت بنيسابور أجلس في الجامع فذهب عمرو بن زرارة وإسحاق بن راهويه إلى يعقوب بن عبد الله والي نيسابور فأخبروه بمكاني فاعتذر إليهم وقال مذهبنا إذا رفع إلينا غريب لم نعرفه حبسناه حتى يظهر لنا أمره فقال له بعضهم: بلغني أنه قال لك لا تحسن تصلي فكيف تجلس فقال لو قيل لي شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة.

وذات يوم ناظر أبو بكر البخاري في أحاديث سفيان فعرفها كلها ثم أقبل محمد عليه فأغرب عليه مائتي حديث فكان أبو بكر بعد ذلك يقول ذاك الفتى البازل والبازل الجمل المسن إلا أنه يريد هاهنا البصير بالعلم الشجاع.

قال محمد بن أبي حاتم سمعت البخاري يقول دخلت بلخ فسألني أصحاب الحديث أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثا فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم.

قال أبو جعفر سمعت أبا عمر سليم بن مجاهد يقول كنت عند محمد بن سلام البيكتدي فقال لو جئت قبل لرأيت صبيا يحفظ سبعين ألف حديث قال فخرجت في طلبه حتى لحقته قال أنت الذي يقول إني أحفظ سبعين ألف حديث قال نعم وأكثر ولا أجيئك بحديث من الصحابة والتابعين إلا عرفتك مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم ولست أروي حديثا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل ركبانا على الخيل سوى من ركب بغلا أو حمارا وسوى الرجالة.

------------

ورعه

· قال محمد بن أبي حاتم ركبنا يوما إلى الرمي، فجعلنا نرمي وأصاب سهم أبي عبد الله البخاري وتد القنطرة الذي على نهر ورادة فانشق الوتد فلما رآه أبو عبد الله نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي وقال لنا ارجعوا ورجعنا معه إلى المنزل. فقال لي يا أبا جعفر لي إليك حاجة مهمة قالها وهو يتنفس الصعداء، وقال لمن معنا اذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته فقلت أية حاجة هي. قال لي: تضمن قضاءها؟ قلت نعم على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة فتقول له إنا قد أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله أو تأخذ ثمنه وتجعلنا في حل مما كان منا. وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري. فقال لي أبلغ أبا عبد الله السلام وقل له أنت في حل مما كان منك وجميع ملكي لك الفداء وإن قلت نفسي أكون قد كذبت، غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في وتد أو في ملكي فأبلغته رسالته فتهلل وجهه واستنار وأظهر سرورا وقرأ في ذلك اليوم على الغرباء نحوا من خمسمائة حديث وتصدق بثلاث مائة درهم.

· وقال بن أبي حاتم ورأيته استلقى على قفاه يوما ونحن بفربر في تصنيفه كتاب التفسير وأتعب نفسه ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث فقلت له إني أراك تقول إني ما أثبت شيئا بغير علم قط منذ عقلت فما الفائدة في الاستلقاء قال أتعبنا أنفسنا اليوم وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العد فأحببت أن استريح وآخذ أهبة فإن فاجئنا العدو كان بنا حراك.

· وضيفه بعض أصحابه في بستان له وضيفنا معه فلما جلسنا أعجب صاحب البستان بستانه وذلك أنه كان عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال له يا أبا عبد الله كيف ترى فقال هذه الحياة الدنيا.

· وقال أحمد بن حفص: دخلت على أبي الحسن يعني إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال لا أعلم من مالي درهما من حرام ولا درهما من شبهة قال أحمد فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك ثم قال أبو عبد الله أصدق ما يكون الرجل عند الموت.

وكان الحسين بن محمد السمرقندي يقول كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بأمور الناس كل شغله كان في العلم.

------------

عمله بالتجارة

وعمل البخاري بالتجارة فكان مثالا للتاجر الصدوق الذي لا يغش ولا ينقض نيته مهما كانت المغريات.

روي أنه حملت إلى البخاري بضاعة أنفذها إليه ابنه أحمد فاجتمع بعض التجار إليه فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم فقال انصرفوا الليلة فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف فقال إني نويت بيعها للذين أتوا البارحة.

------------

ثناء الأئمة عليه

قال أبو إسحاق السرماري: من أراد أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه فلينظر إلى محمد بن إسماعيل.

قال أبو جعفر سمعت يحيى بن جعفر يقول لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت فإن موتي يكون موت رجل واحد وموته ذهاب العلم.

وكان نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.

قال مصعب الزهري محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر بالحديث.

وروي عن إسحاق بن راهويه أنه كان يقول اكتبوا عن هذا الشاب يعني البخاري فلو كان في زمن الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه.

وكان علي بن حجر يقول أخرجت خراسان ثلاثة أبو زرعة ومحمد بن إسماعيل وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.

وقال محمد بن أبي حاتم سمعت إبراهيم بن خالد المروزي يقول رأيت أبا عمار الحسين بن حريث يثني على أبي عبد الله البخاري ويقول لا أعلم أني رأيت مثله كأنه لم يخلق إلا للحديث.

وقال محمد حدثني حاتم بن مالك الوراق قال سمعت علماء مكة يقولون محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان.

وقال أبو الطيب حاتم بن منصور الكسي يقول محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه من العلم.

وقال سليم بن مجاهد يقول لو أن وكيعا وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل.

وروي عن قتيبة بن سعيد أنه قال لو كان محمد في الصحابة لكان آية. نظرت في الحديث ونظرت في الرأي وجالست الفقهاء والزهاد والعباد ما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل.

وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمام أهل الحديث.

قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله وأحفظ له من محمد بن إسماعيل.

قال محمد بن حمدون بن رستم سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى البخاري فقال دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله.

وقال سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بالبصرة يقولون ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح.

------------

من كرم البخاري وسماحته

قال محمد بن أبي حاتم كانت له قطعة أرض يؤجرها كل سنة بسبع مائة درهم فكان ذلك المؤجر ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثاء النضيج وكان يؤثره على البطيخ أحيانا فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانا.

قال وسمعته يقول كنت أستغل كل شهر خمس مائة درهم فأنفقت كل ذلك في طلب العلم فقلت كم بين من ينفق على هذا الوجه وبين من كان خلوا من المال فجمع وكسب بالعلم حتى اجتمع له فقال أبو عبد الله: ما عند الله خير وأبقى (الشورى:36)

وكان يتصدق بالكثير يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد وكان لا يفارقه كيسه.

ويقول عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله البخاري في منزله فجاءته جارية وأرادت دخول المنزل فعثرت على محبرة بين يديه فقال لها: كيف تمشين؟ قالت إذا لم يكن طريق كيف أمشي فبسط يديه وقال لها اذهبي فقد أعتقتك. قال فقيل له فيما بعد يا أبا عبد الله أغضبتك الجارية قال إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت.

------------

محنة البخاري

تعرض البخاري للامتحان والابتلاء، وكثيرا ما تعرض العلماء الصادقون للمحن فصبروا على ما أوذوا في سبيل الله، ولقد حسد البعض البخاري لما له من مكانة عند العلماء وطلاب العلم وجماهير المسلمين في كل البلاد الإسلامية، فأثاروا حوله الشائعات بأنه يقول بخلق القرآن، ولذلك قصة يرويها أبو أحمد بن عدي فيقول: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل البخاري لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه فحسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه واجتماعهم عليه. فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول اللفظ بالقران مخلوق فامتحنوه في المجلس فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقران مخلوق هو أم غير مخلوق فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فقال الرجل يا أبا عبد الله فأعاد عليه القول فأعرض عنه، ثم قال في الثالثة فالتفت إليه البخاري وقال القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه وقعد البخاري في منزله.

وقالوا له بعد ذلك ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك قال لا أفعل إلا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته، وكان يقول أما أفعال العباد فمخلوقة فقد حدثنا علي بن عبد الله حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو مالك عن ربعي عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يصنع كل صانع وصنعته.

وبه قال وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة قال البخاري حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله تعالى {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} (العنكبوت 49).

وقال البخاري: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر.

وقال أيضا: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة.

وقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى فقبض على لحيته ثم قال "وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" (غافر 44) اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ولا طلبا للرئاسة إنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير ثم قال لي يا أحمد إني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي، فأخبرت جماعة أصحابنا فو الله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من البلد وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره.

وقال محمد بن أبي حاتم أتى رجل عبد الله البخاري فقال يا أبا عبد الله إن فلانا يكفرك فقال: " قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما" وكان كثير من أصحابه يقولون له إن بعض الناس يقع فيك فيقول "إن كيد الشيطان كان ضعيفا" (النساء 76)، ويتلو أيضا "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" (فاطر 43) فقال له عبد المجيد بن إبراهيم كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" وقال صلى الله عليه وسلم "من دعا على ظالمه فقد انتصر"

------------

محنته مع أمير بخارى

روى أحمد بن منصور الشيرازي قال سمعت بعض أصحابنا يقول لما قدم أبوعبد الله بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق أحد إلا استقبله ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير فبقي أياما قال فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى الذهلي إلى خالد بن أحمد أمير بخارى إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا لا نفارقه فأمره الأمير بالخروج من البلد فخرج.

قال أحمد بن منصور فحكى لي بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى فتقدمت إليه فقلت يا أبا عبد الله كيف ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر فقال لا أبالي إذا سلم ديني.

وروي عن بكر بن منير بن خليد بن عسكر أنه قال: بعث الأمير خالد ابن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب الجامع و التاريخ وغيرهما لأسمع منك فقال لرسوله أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضر في مسجدي أو في داري وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" فكان سبب الوحشة بينهما هذا.

------------

وفاة البخاري

توفي البخاري ـ رحمه الله ـ ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين وقد بلغ اثنتين وستين سنة، وروي في قصة وفاته عدة روايات منها:

قال محمد بن أبي حاتم سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: إنه أقام عندنا أياما فمرض واشتد به المرض، فلما وافى تهيأ للركوب فلبس خفيه وتعمم فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها فقال رحمه الله أرسلوني فقد ضعفت فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى رحمه الله فسال منه العرق شيء لا يوصف فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك فدام ذلك أياما ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون ويتعجبون وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر حتى ظهر القبر ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس وغلبنا على أنفسنا فنصبنا على القبر خشبا مشبكا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب ولم يكونوا يخلصون إلى القبر وأما ريح الطيب فإنه تداوم أياما كثيرة حتى تحدث أهل البلدة وتعجبوا من ذلك وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته وخرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب قال محمد بن أبي حاتم ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إلا القليل وأوصى أن يدفن إلى جنبه.

وقال محمد بن محمد بن مكي الجرجاني سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت ما وقوفك يا رسول الله قال أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري فلما كان بعد أيام بلغني موته فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

رحم الله الإمام البخاري رحمة واسعة وجزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين وعن حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).

ـــــــــــــ

المصادر:

(1) سير أعلام النبلاء.

(2) تاريخ بخارى.

(3) مقدمة صحيح


Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 18 2008, 00:11
رابط المشاركة #8


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




 

ترجمة أبو داودالسجستاني

بقلم » محمد لطفي الصباغ

 



اسمه . نسبه . نسبته

هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.

وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين . وأبو داود عربي صميم من الأزد ، والأزد قبيلة معروفة في اليمن .

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين .

وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة .

ذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.

ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب .

وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان .

نشأته

ولد أبو داود سنة 202هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً. قال الخطيب:

-وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين- .

وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من افقه وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.

والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي:

 سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري ، وهراة ، والكوفة التي دخلها سنة 221هـ كما ذكر الخطيب ، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة 271هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة ، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر ، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج .

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد. وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.

علمه

 كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله رحمه الله وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.

ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار:

منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.

ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبدالله التستري جاء إلى أبي داود. 

فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه. 

فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة. 

قال: وما هي؟ 

قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان. 

قال: قد قضيتها مع الإمكان. 

قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله رحمه الله حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله . 

وكان علمه متعدد الجوانب، فهو – مع تخصصه في الحديث – فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)) . 

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستوى راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الاصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم. 

ومما يدل على مكانته العلمية ثناء العلماء عليه وسنذكر بعضه في الفقرة الآتية: 

ثناء العلماء عليه 

كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين: 

سعة علمه ودقة تحقيقه. 

وكرم أخلاقه وتقواه. 

فلقد كان – رحمه الله – مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط. 

وسنورد شذرات من أقوالهم. 

1- قال أبو بكر الخلال : 

-أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم- . 

2- وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي : 

-سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث- . 

3- وقال ابراهيم الحربي : 

-ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد- . 

4- وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني . 

5- وقال موسى بن هارون الحافظ : 

-خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه- . 

6- وقال علان بن عبدالصمد: 

-كان من فرسان هذا الشأن- . 

7- وقال أبو حاتم بن حبان : 

-كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن- . 

8- وقال أبو عبدالله بن منده : 

-الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي- . 

9- وقال الحاكم : 

-أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة- . 

10- وقال محمد بن مخلد : 

-كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ- . 

11- وقال ابن ماكولا : 

-هو إمام مشهور- . 

12- 13- وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله . 

14- وقال الذهبي : 

-وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبدالله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي رحمه الله في هديه ودله- . 

ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود . 

ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود: 

-كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد- . 

15- وقال ابن الجوزي : 

-كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل- . 

وسيمر بنا عند الكلام على ((السنن)) مزيد من الثناء على أبي داود وشهادات أهل العلم بفضله.

أساتذته 

إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من 300 نفس .

 وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

 فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، واسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن ابراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن اسماعيل المنقري التبوذكي، وعبدالله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير ، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.

 ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.

 وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري .

وينبغي أن نخص واحداً من اساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الامام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في اخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)).

وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال:

سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.

ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي:

قال أبو داود: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟

قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به.

قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)) .

وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد .

وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

 قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر .

وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً.

ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره.

تلاميذه 

روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الامام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً .

ومنهم الامام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والامام أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والامام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم اسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الاسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي.

ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:

– أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.

– وأبو بكر محمد بن بكر بن عبدالرزاق بن داسة التمار. 

– وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي. 

– وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري. 

– وأبو أسامة محمد بن عبدالملك الرؤامي. 

– وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي. 

– وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري. 

وضعه الاجتماعي والمنزلي 

كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان.

 وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبدالله. 

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.

نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً.

فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟

فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.

قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً. وحصل له ذلك الجزء الأول) .

وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له .

أخلاقه وصفاته

كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم. كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال. 

وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.

 والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً. 

وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها. 

فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى (أنّ محمد بن علي الآجري قال:

 قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟ 

قال: عمروٌ أعلى عندنا. عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي)) ) .

 فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسؤوه أن يعذب الله معاوية رضي الله عنه، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.

ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال:

كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال:

– ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟

– فقال: خلال ثلاث.

– فقال: وما هي؟

– قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.

 – فقال: هذه واحدة. هات الثانية.

– قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟

– قال: نعم. هات الثالثة.

قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.

 فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.

 قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة .

 ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبدالله صاحب التصانيف.

فقد قال عنه: ((ابني عبدالله كذَّابٌ)) .

 طلابه

يبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه .

وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.

أقواله

كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله رحمه الله جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.

 وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:

الشهوة الخفية حب الرئاسة- .

 وقوله:

-خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن- .

وقوله:

-من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده- .

وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.

ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله رحمه الله: -الاعمال بالنيات-.

وقوله رحمه الله -من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه-.

والثالث قوله رحمه الله -لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه-.

والرابع قوله رحمه الله -الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات- .

وفاته

توفى أبو داود رحمه الله يوم الجمعة 15 شوال من سنة 275هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية.

كتبه:

1- المراسيل

2- مسائل الامام أحمد

3- الناسخ والمنسوخ

4- إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري

5- رسالته في وصف كتاب ((السنن))

6- كتاب الزهد

7- تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث

8- أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء

9- كتاب القدر

10- كتاب البعث والنشور

 11- المسائل التي حلف عليها الامام أحمد

12- دلائل النبوة

13- التفرد في السنن

ذكره اسماعيل البغدادي

14- فضائل الأنصار

15- مسند مالك

16- الدعاء

17- ابتداء

18- أخبار الخوارج

 

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 18 2008, 00:12
رابط المشاركة #9


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977






ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية


نسبه:


هو شيخ الإسلام الإمام أبو العباس: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي.


مولده ووفاته:


ولد يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول بحران سنة 661 هـ، ولما بلغ من العمر سبع سنوات انتقل مع والده إلى دمشق؛ هربًا من وجه الغزاة التتار ، وتوفي ليلة الاثنين العشرين من شهر ذي القعدة سنة (728) هـ وعمره (67) سنة.


نشأته:


نشأ في بيت علم وفقه ودين ، فأبوه وأجداده وإخوته وكثير من أعمامه كانوا من العلماء المشاهير ، منهم جده الأعلى (الرابع) محمد بن الخضر ، ومنهم عبد الحليم بن محمد بن تيمية ، وعبد الغني بن محمد ابن تيمية ، وجده الأدنى عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية مجد الدين أبو البركات صاحب التصانيف التي منها : المنتقى من أحاديث الأحكام ، والمحرر في الفقه ، والمسودة في الأصول وغيرها ، وكذلك أبوه عبد الحليم بن عبد السلام الحراني ، وأخوه عبد الرحمن وغيرهم.

ففي هذه البيئة العلمية الصالحة كانت نشأة صاحب الترجمة ، وقد بدأ بطلب العلم أولًا على أبيه وعلماء دمشق ، فحفظ القرآن وهو صغير ، ودرس الحديث والفقه والأصول والتفسير ، وعرف بالذكاء وقوة الحفظ والنجابة منذ صغره. ثم توسّع في دراسة العلوم وتبحر فيها ، واجتمعت فيه صفات المجتهد وشروط الاجتهاد منذ شبابه، فلم يلبث أن صار إمامًا يعترف له الجهابذة بالعلم والفضل والإمامة ، قبل بلوغ الثلاثين من عمره.


إنتاجه العلمي:


وفي مجال التأليف والإنتاج العلمي ، فقد ترك الشيخ للأمة تراثًا ضخمًا ثمينًا ، لا يزال العلماء والباحثون ينهلون منه معينًا صافيًا ، توفرت لدى الأمة منه الآن المجلدات الكثيرة ، من المؤلفات والرسائل والفتاوى والمسائل وغيرها ، هذا من المطبوع ، وما بقي مجهولًا ومكنوزًا في عالم المخطوطات فكثير.


المجالات العلمية التي أسهم فيها:


ولم يترك الشيخ مجالًا من مجالات العلم والمعرفة التي تنفع الأمة ، وتخدم الإسلام إلا كتب فيه وأسهم بجدارة وإتقان ، وتلك خصلة قلما توجد إلا عند العباقرة النوادر في التاريخ.

فلقد شهد له أقرانه وأساتذته وتلاميذه وخصومه بسعة الاطلاع ، وغزارة العلم ، فإذا تكلم في علم من العلوم أو فن من الفنون ظن السامع أنه لا يتقن غيره ، وذلك لإحكامه له وتبحره فيه ، وأن المطلع على مؤلفاته وإنتاجه ، والعارف بما كان يعمله في حياته من الجهاد باليد واللسان ، والذب عن الدين ، والعبادة والذكر ، ليعجب كل العجب من بركة وقته ، وقوة تحمله وجلده ، فسبحان من منحه تلك المواهب.


جهاده ودفاعه عن الإسلام:


الكثير من الناس يجهل الجوانب العملية من حياة الشيخ ، فإنهم عرفوه عالمًا ومؤلفًا ومفتيًا ، من خلال مؤلفاته المنتشرة ، مع أن له مواقف مشهودة في مجالات أخرى عديدة ساهم فيها مساهمة قوية في نصرة الإسلام وعزة المسلمين فمن ذلك: جهاده بالسيف وتحريضه المسلمين على القتال ، بالقول والعمل ، فقد كان يجول بسيفه في ساحات الوغى ، مع أعظم الفرسان الشجعان ، والذين شاهدوه في القتال أثناء فتح عكا عجبوا من شجاعته وفتكه بالعدو .

أما جهاده بالقلم واللسان فإنه -رحمه الله- وقف أمام أعداء الإسلام من أصحاب الملل والنحل والفرق والمذاهب الباطلة والبدع كالطود الشامخ ، بالمناظرات -حينًا- وبالردود -أحيانًا- حتى فند شبهاتهم ، ورد الكثير من كيدهم بحمد الله ، فقد تصدى للفلاسفة ، والباطنية ، من صوفية ، وإسماعيلية ونصيرية وسواهم ، كما تصدى للروافض والملاحدة ، وفند شبهات أهل البدع التي تقام حول المشاهد والقبور ونحوها ، كما تصدى للجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مجال الأسماء والصفات ، وبالجملة فقد اعتنى ببيان أنواع التوحيد الثلاثة : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، ورد الشبهات حول هذه الأنواع.

والمطلع على هذا الجانب من حياة الشيخ يكاد يجزم بأنه لم يبق له من وقته فضلة ، فقد حورب وطورد وأوذي وسجن مرات في سبيل الله ، وقد وافته منيته مسجونًا في سجن القلعة بدمشق.

ولا تزال -بحمد الله- ردود الشيخ سلاحًا فعالًا ضد أعداء الحق والمبطلين؛ لأنها إنما تستند على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهدي السلف الصالح ، مع قوة الاستنباط ، وقوة الاستدلال والاحتجاج الشرعي والعقلي ، وسعة العلم ، التي وهبها الله له ، وأكثر المذاهب الهدامة التي راجت اليوم بين المسلمين هي امتداد لتلك الفرق والمذاهب التي تصدى لها الشيخ وأمثاله من سلفنا الصالح؛ لذلك ينبغي للدعاة المصلحين أن لا يغفلوا هذه الناحية؛ ليستفيدوا مما سبقهم به أولئك.

ولست مبالغًا حينما أقول: إنه لا تزال كتب الشيخ وردوده هي أقوى سلاح للتصدي لهذه الفرق الضالة والمذاهب الهدامة التي راجت اليوم، والتي هي امتداد للماضي ، لكنها تزيّت بأزياء العصر ، وغيّرت أسماءها فقط ، مثل البعثية ، والاشتراكية ، والقومية ، والقاديانية والبهائية ، وسواها من الفرق والمذاهب.


خصاله:


بالإضافة إلى العلم والفقه في الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قد وهبه الله خصالًا حميدة ، اشتهر بها وشهد له بها الناس ، فكان سخيًا كريمًا يؤثر المحتاجين على نفسه في الطعام واللباس وغيرهما ، وكان كثير العبادة والذكر وقراءة القرآن ، وكان ورعًا زاهدًا لا يكاد يملك شيئًا من متاع الدنيا سوى الضروريات ، وهذا مشهور عنه عند أهل زمانه حتى في عامة الناس ، وكان متواضعًا في هيئته ولباسه ومعاملته مع الآخرين ، فما كان يلبس الفاخر ولا الرديء من اللباس ، ولا يتكلف لأحد يلقاه ، واشتهر أيضًا بالمهابة والقوة في الحق ، فكانت له هيبة عظيمة عند السلاطين والعلماء وعامة الناس ، فكل من رآه أحبه وهابه واحترمه ، إلا من سيطر عليهم الحسد من أصحاب الأهواء ونحوهم.

كما عرف بالصبر وقوة الاحتمال في سبيل الله ، وكان ذا فراسة وكان مستجاب الدعوة ، وله كرامات مشهودة ، رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جناته.


عصره:


لقد عاش المؤلف - رحمه الله - في عصر كثرت فيه البدع والضلالات ، وسادت كثير من المذاهب الباطلة ، واستفحلت الشبهات وانتشر الجهل والتعصب والتقليد الأعمى ، وغزيت بلاد المسلمين من قبل التتار والصليبيين (الإفرنج).

ونجد صورة عصره جلية واضحة من خلال مؤلفاته التي بين أيدينا؛ لأنه اهتم بأجل أمور المسلمين وأخطرها ، وساهم في علاجها بقلمه ولسانه ويده ، فالمتأمل في مؤلفات الشيخ يجد الصورة التالية لعصره :

كثرة البدع والشركيات خاصة حول القبور والمشاهد والمزارات المزعومة ، والاعتقادات الباطلة في الأحياء والموتى ، وأنهم ينفعون ويضرون ويُدعون من دون الله.

انتشار الفلسفات والإلحاد والجدل.

هيمنة التصوف، والطرق الصوفية الضالة على العامة من الناس ، ومن ثم انتشار المذاهب والآراء الباطنية.

توغل الروافض في أمور المسلمين ، ونشرهم للبدع والشركيات وتثبيطهم للناس عن الجهاد، ومساعدتهم للتتار أعداء المسلمين.

وأخيرًا نلاحظ تَقَوّي أهل السنة والجماعة بالشيخ وحفزه لعزائمهم مما كان له الأثر الحميد على المسلمين إلى اليوم في التصدي للبدع والمنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.

وقد وقف الشيخ -رحمه الله- في عصره إزاء هذه الانحرافات موقفًا مشهودًا ، آمرًا وناهيًا ، وناصحًا ، ومبينًا ، حتى أصلح الله على يديه الكثير من أوضاع المسلمين ، ونصر به السنة وأهلها ، والحمد لله.


وفاته:


إن من علامات الخير للرجل الصالح ، وقبوله لدى المسلمين، إحساسهم بفقده حين يموت؛ لذلك كان السلف يعدون كثرة المصلين على جنازة الرجل من علامات الخير والقبول له؛ لذلك قال الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز" . أي: أن أئمة السنة أكثر مشيعين يوم تموتون، ولقد شهد الواقع بذلك، فما سمع الناس بمثل جنازتي الإمامين: أحمد بن حنبل، وأحمد ابن تيمية حين ماتا من كثرة من شيعهما وخرج مع جنازة كل منهما، وصلى عليهما، فالمسلمون شهداء الله في أرضه.

هذا وقد توفي الشيخ -رحمه الله- وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق ليلة الاثنين 20 من شهر ذي القعدة سنة (728) هـ ، فهب كل أهل دمشق ومن حولها للصلاة عليه وتشييع جنازته وقد أجمعت المصادر التي ذكرت وفاته أنه حضر جنازته جمهور كبير جدًا يفوق الوصف.

رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 18 2008, 00:13
رابط المشاركة #10


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977






ترجمة الإمام ابن القيم -رحمه الله-


نسبه ونسبته:


هو الفقيه، المفتي، الإمام الربّاني شيخ الإسلام الثاني أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرعي ثم الدِّمشقي الشهير بـ"ابن قيم الجوزية" لا غيره خلافًا للكوثري الذي نبزه بـ"ابن زفيل" .


ولادته:


ولد -رحمه الله- في السابع من شهر صفر الخير سنة (691هـ).

نشأ ابن قيِّم الجوزية في جوِّ علمي في كنف والده الشيخ الصالح قيم الجوزية، وأخذ عنه الفرائض، وذكرت كتب التراجم بعض أفراد أسرته كابن أخيه أبي الفداء عماد الدين إسماعيل بن زين الدين عبد الرحمن الذي اقتنى أكثر مكتبة عمّه، وأبناؤه عبد الله وإبراهيم، وكلهم معروف بالعلم وطلبه.

وعُرف عن ابن قيم الجوزية -رحمه الله- الرغبة الصادقة الجامحة في طلب العلم، والجَلَد والتَّفاني في البحث منذ نعومة أظفاره؛ فقد سمع من الشِّهاب العابر المتوفى سنة (697هـ) فقال -رحمه الله- : "وسمّعت عليه عدّة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه؛ لصغر السِّنِّ ، واخترام المنية له -رحمه الله- " وبهذا يكون قد بدأ الطلب لسبع سنين مضت من عمره.


رحلاته:


قَدم ابن قيّم الجوزية -رحمه الله- القاهرة غير مرّة ، وناظر ، وذاكر.

وقد أشار إلى ذلك المقريزي فقال : "وقدم القاهرة غير مرّة" .

قال: "وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر" .

وقال: "وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة" .

وزار بيت المقدس، وأعطى فيها دروسًا.

قال: "ومثله لي قلته في القدس" .

وكان -رحمه الله- كثير الحجِّ والمجاورة كما ذكر في بعض كتبه . قال ابن رجب: وحج مرات كثيرةً، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدّة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يُتعجب منه" .


مكتبته:


كان ابن قيّم الجوزية -رحمه الله- مُغرمًا بجمع الكتب، وهذا دليلُ الرَّغبة الصّادقة للعلم بحثًا وتصنيفًا، وقراءةً وإقراءً يظهر ذلك في غزارة المادة العلمية في مؤلفاته، والقدرة العجيبة على حشد الأدلة.

وقد وصف تلاميذه -رحمهم الله- مكتبته فأجادوا:

قال ابن رجب: "وكان شديد المحبة للعلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره" .

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "واقتنى من الكتب ما لم لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْرِه من كتب السلف والخلف" .

قلت: ومع هذا كله يقول بتواضع جم: "بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب" .

ورحم اللهُ شيخه شيخَ الإسلام ابن تيمية القائل: "فمن نوّر الله قلبه هداه ما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزدْهُ كثرةُ الكتب إلا حيرة وضلالةً" .


مشاهير شيوخه:


تلقى ابن قيم الجوزية -رحمه الله- العلم على كثير من المشايخ ، ومنهم:

1- قيم الجوزية والده -رحمه الله-.

2- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لازمه ، وتفقه به، وقرأ عليه كثيرًا من الكتب ، وبدأت ملازمته له سنة (712هـ) حتى توفي شيخ الإسلام سجينًا في قلعة دمشق (728هـ).

3- المزي -رحمه الله- .


تلاميذه :


1- ابن رجب الحنبلي ، صرح بأنه شيخه، ثم قال: "ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة ، وسمّعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السّنة ، وأشياء من تصانيفه وغيرها" .

2- ابن كثير -رحمه الله- قال : "وكنت من أصحب الناس له وأحبّ الناس إليه" .

3- الذهبي -رحمه الله- ترجم لابن القيم الجوزية في "المعجم المختص" بشيوخه .

4- ابن عبد الهادي -رحمه الله- ؛ كما قال ابن رجب: "وكان الفضلاء يعظمونه ويتتلمذون له كابن عبد الهادي وغيره" .

5- الفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" ، كما قال الشوكاني: "ثم ارتحل إلى دمشق فدخلها سنة (755هـ) فسمع من التقي السبكي وجماعة زيادة عن مائة كابن القيم" .


علاقته بشيخه ابن تيمية ومنهجه :


بدأت ملازمة ابن قيم الجوزية لشيخ الإسلام ابن تيمية عند قدومه إلى دمشق سنة (712هـ) ، واستمرت إلى وفاة الشيخ سنة (728هـ) ، وبهذا تكون مدة مرافقة ابن قيم الجوزية لشيخه ستة عشر عامًا بقي طيلتها قريبًا منه يتلقى عنه علمًا جمًا ، وقرأ عليه فنونًا كثيرة.

قال الصفدي: "قرأ عليه قطعة من "المحرّر" لجدّه المجد، وقرأ عليه من "المحصول" ، ومن كتاب "الأحكام" للسيف الآمدي، وقرأ عليه قطعة من "الأربعين" و"المحصل" وقرأ عليه كثيرًا من تصانيفه" .

وبدأت هذه الملازمة بتوبة ابن قيم الجوزية على يدي شيخه ابن تيمية ؛ كما أشار إلى ذلك بقوله




يـا قـوم والله العظيـم نصـيحة




مـن مشـفق وأخ لكـم معـوان



جربت هـذا كلـه ووقعت فـي




تلك الشبــاك وكنت ذا طيـران



حتى أتـاح لـي الإلـه بفضلـه




مـن ليس تجـزيه يـدي ولسـاني



فتـى أتى مـن أرض حـرّان فيا




أهلًا بمـن قـد جـاء من حــران




وكان لهذه الملازمة أثرٌ بالغٌ في نفس ابن قيم الجوزية ؛ فشارك شيخه في الذَّبِّ عن المنهج السلفي، وحمل رايتَه من بعده ، وتحرر من كل تبعية لغير كتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بفهم السلف الصالح.

قال الشوكاني : "وليس له على غير الدليل مُعَوَّل في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى المذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدَّفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة ؛ كما يفعله غيرُه من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك ، وغالب أبحاثه الإنصافُ والميلُ مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث وطوَّل ذيولَه أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما ينشرح له صدورُ الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل، وأظنها سرت إليه بركةُ ملازمته لشيخه ابن تيمية في السَّراء والضّراء والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه.

وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السُّنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظم جُنَّة ، فرحمه الله وجزاه عن المسلمين خيرًا .

ومع هذا كله فلم يكن ابن قيم الجوزية -رحمه الله- نسخةً من شيخه ابن تيمية، بل كان متفننًا في علوم شتى -باتفاق المتقدمين والمتأخرين- تدل على علو كعبه، ورسوخه في العلم.

وكيف يكون ابن قيم الجوزية مُرَدِّدًا لصدى صوت شيخه ابن تيمية -رحمه الله- وهو ينكرُ التقليدَ ويحاربُه بكلِّ ما أتي من حَوْل وقوَّة؟!


ثناء العلماء عليه:


قال ابن كثير -رحمه الله- : "سمع الحديث ، واشتغل بالعلم ، وبرع في علوم متعددة ، ولا سيما علم التفسير والحديث الأصلين ، ولما عاد الشيخُ تقي الدين ابن تيمية من الدّيار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا ، مع ما سلف له من الاشتغال؛ فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطَّلَب ليلًا ونهارًا، وكثرة الابتهال ، وكان حسنَ القراءة والخُلُق ، وكثيرَ التَّودُّد لا يحسدُ أحدًا ولا يؤذيه ، ولا يستغيبُه ولا يحقدُ على أحد ، وكنت أصحب الناس له ، وأحب الناس إليه ، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثرَ عبادة منه، وكانت له طريقةٌ في الصلاة يطيلها جدًا ، ويمدُّ ركوعَه وسجودَه ويلومُه كثير من أصحابه في بعض الأحيان ، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك -رحمه الله- ، وله من التّصانيف الكِبار والصِّغار شيءٌ كثير ، وكتَبَ بخطّه الحسنِ شيئًا كثيرًا ، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف.

وبالجملة كان قليلَ النظير في مجموعه وأموره وأحواله ، والغالب عليه الخيرُ والأخلاقُ الصالحةُ ، سامحه الله ورحمه" .

قال ابن رجب -رحمه الله- : "وتفقه في المذهب ، وبرع وأفتى ، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه ، وتفنَّن في علوم الإسلام ، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه ، وبأصول الدين ، وإليه فيهما المنتهى ، والحديث معانيه وفقهه ، ودقائق الاستنباط منه ، لا يُلحق في ذلك ، وبالفقه وأصوله وبالعربية ، وله فيها اليَدُ الطولى ، وتعلم الكلام والنَّحو وغير ذلك ، وكان عالمًا بعلم السّلوك ، وكلام أهل التّصوف وإشاراتهم ودقائقهم ، له في كل فَنّ من هذه الفنون اليد الطولى.

وكان -رحمه الله- ذا عبادة وتَهَجد ، وطول صلاة إلى الغاية القصوى ، وَتَألُّه ولهج بالذّكر ، وشغف بالمحبة ، والإنابة والاستغفار ، والافتقار إلى الله والانكسار له ، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته ، لم أشاهد مثله في ذلك ، ولا رأيت أوسع منه علمًا ، ولا أعْرَف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله " .

وقال ابن ناصر الدين الدمشقي -رحمه الله- : "وكان ذا فنون في العلوم ، وخاصة التفسير والأصول في المنطوق والمفهوم" .

وقال السيوطي -رحمه الله- : "قد صَنَّفَ ، وناظر ، واجتهد ، وصار من الأئمة الكبار في التفسير والحديث ، والفروع ، والأصلين ، والعربية" .


مؤلفاته :


ضرب ابن قيم الجوزية بحظ وافر في علوم شتى يظهر هذا الأمر جَليًّا لمن استقصى كتبه التي كانت للمتقين إمامًا، وأفاد منها الموافق والمخالف.

قال ابن حجر -رحمه الله- ، "ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته" .


وإليك أشهرها مرتَّبة على حروف المعجم:


1- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.

2- أحكام أهل الذمة.

3- إعلام الموقعين عن رب العالمين.

4- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان.

5- بدائع الفوائد.

6- تحفة المودود في أحكام المولود.

7- تهذيب مختصر سنن أبي داود.

8- الجواب الكافي، وهو المسمى "الداء والدواء".

9- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على محمد -صلى الله عليه وسلم- خير الأنام.

10- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.

11- حكم تارك الصلاة.

12- "الرسالة التبوكية "وهو الذي بين يديك.

13- روضة المحبين ونزهة المشتاقين.

14- الروح.

15- زاد المعاد في هدي خير العباد.

16- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.

17- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.

18- طريق الهجرتين وباب السعادتين.

19- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.

20- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، وقد انتهيت من تحقيقه بحمد الله وفضله على نسختين خطيتين.

21- الفروسية.

22- الفوائد.

23- الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ، وهي "القصيدة النونية".

24- الكلام على مسألة السماع.

25- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

26- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة.

27- المنار المنيف في الصحيح والضعيف.

28- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.

29- الوابل الصيب في الكلم الطيب.


محنة وثبات :


حُبس مع شيخه ابن تيمية في المرة الأخيرة في القلعة منفردًا عنه بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروبًا بالدرة سنة (726هـ) ، ولم يفرج عنه إلا بعد موت شيخه سنة (728هـ) .

وحبس مرة لإنكاره شدّ الرحال إلى قبر الخليل.

قال ابن رجب -رحمه الله- : "وقد امتحن وأوذي مرات" .


وفاته :


توفي -رحمه الله- ليلة الخميس ثالث عشرين من رجب الفرد سنة (751هـ) ، ودفن بدمشق بمقبرة الباب الصغير -رحمه الله- وأسكنه الفردوس الأعلى ، وجمعنا وإياه في عليين مع النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقًا.


مصادر ترجمته:


1- "أبجد العلوم" ، صديق حسن خان ، (3 / 138).

2- "البداية والنهاية" ، ابن كثير ، (14 / 234).

3- "البدر الطالع" ، الشوكاني ، (2 / 143).

4- "بغية الوعاة" ، للسيوطي ، (1 / 62).

5- "التاج المكلل" ، صديق حسن خان ، (ص416).

6- "الدرر الكامنة" ، ابن حجر ، (4 / 21-23).

7- "ذيل طبقات الحنابلة" ، ابن رجب ، (2 / 447).

8- "ذيل العبر في خبر من عبر" ، (5 / 282).

9- "الرد الوافر" ابن ناصر الدين الدمشقي (ص68).

10- "شذرات الذهب" ، ابن العماد ، (6 / 168).

11- "طبقات المفسرين" ، للداوودي ، (2 / 93).

12- "الفتح المبين في طبقات الأصوليين" ، المراغي ، (2 / 76).


وقد صنفت كتب مفردة مثل:


1- "ابن قيم الجوزية" ، محمد مسلم الغنيمي.

2- "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" ، بكر بن عبد الله أبو زيد.

3- "ابن قيم الجوزية وموقفه من التفكير الإسلامي" ، عوض الله حجازي.

4- "ابن القيم وآثاره العلمية" ، أحمد ماهر البقري.

5- "ابن القيم اللغوي" ، أحمد ماهر البقري.

6- "ابن قيم الجوزية عصره ومنهجه" ، عبد العظيم عبد السلام.


أسرته ونشأته وطلبه للعلم:

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 18 2008, 00:15
رابط المشاركة #11


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب
العلامة الشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل أبو طامي



ولادته ، ونشأته ورحلته لطلب العلم :

ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي سنة1115هجرية الموافق سنة1703م في بلدة العيينة،الواقعة شمال الرياض.ونشأ الشيخ في حجر أبيه عبد الوهاب في تلك البلدة في زمن إمارة عبدا لله بن محمد بن حمد بن مُعمَّر وكان سباقاً في عقله وفي جسمه ، حادّ المزاج ، فقد استظهر القرآن قبل بلوغه العشر ، وبلغ الاحتلام قبل إتمام الإثنتي عشرة سنة .

قال أبوه : رأيته أهلاً للصلاة بالجماعة ، وزوجته في ذاك العام .


طلبه للعلم :

درس على والده الفقه الحنبلي والتفسير والحديث .

وكان في صغره ، مكباً على كتب التفسير والحديث والعقائد .

وكان يعتني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم رحمهما الله ، ويكثر من مطالعة كتبهما .


رحلاته العلمية :

ثم غادر البلاد قاصداً حج بيت الله الحرام .

وبعد أدائه الفريضة أم المدينة المنورة ، وقصد المسجد النبوي ، وزار إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وصحابته الأبرار المخلصين .


شيوخه بالمدينة المنورة :

وكان فيما إذ ذاك من العلماء العاملين ، والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف النجدي ، كان رأساً في بلد المجمعة .

فأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيراً من العلم ، وأحبه الشيخ عبد الله ، وكان به حفياً ، وبذل جهداً كبيراً في تثقيفه وتعليمه. وكان من عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة توافق أفكاره ومبدئه مع تلميذه في عقيدة التوحيد ، والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة ، وأعمال زائفة .

واستفاد الشيخ من مصاحبته فوائد عظيمة،وأجازه الشيخ عبد الله بالحديث المشهور والمسلسل بالأولية((الراحمون يرحمهم الرحمن)) من طريقين :.

أحدهما : من طريق ابن مفلح عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وينتهي إلى الإمام أحمد .

والثاني : من طريق عبد الرحمن بن رجب عن العلامة ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ، وينتهي أيضاً إلى الإمام أحمد .

كما أجازه الشيخ بكل ما في ثبت الشيخ عبد الباقي الحنبلي شيخ مشايخ وقته،قراءة وعلماً وتعليماً ،صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه ،وصحيح مسلم وشرح الصحيحين ، وسنن الترمذي والنسائي،وأبي داود،وابن ماجة ومؤلفات الدارمي،وبسنده المتصل إلى المؤلف .

ومسند الإمام الشافعي ، وموطأ الإمام مالك ، ومسند الإمام أحمد ، إلى غير ذلك مما ثبت في ثبت الشيخ عبد الباقي .

ثم وصل الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف حبل الشيخ محمد ، بحبل المحدث الشيخ محمد حياة السندي ، وعرَّفه به وبما هو عليه من عقيدة صافية ، وبما تجيش به نفسه من مقت الأعمال الشائعة في كل مكان من البدع ، والشرك الأكبر والأصغر ، وأنه إنما خرج من نجد للرحلة في طلب العلم ، وسعياً إلى الاستزادة من السلاح الديني القوي ، الذي يعينه على ما هو مصمم عليه من القيام بالدعوة والجهاد في سبيل الله .

 




وممن أخذ عنهم الشيخ وانتفع بمصاحبته الشيخ على أفندي الداغستاني ، والشيخ إسماعيل العجلوني ، والشيخ عبد اللطيف العفالقي الاحسائي ، الشيخ محمد العفالقي الاحسائي .

وقد أجازه الشيخان الداغستاني والاحسائي بمثل ما أجازه الشيخ عبد الله إبراهيم بما في ثبت أبي المواهب

ثم توجه إلى نجد ، ثم البصرة ، قاصداً الشام ، ليستزيد من العلوم النافعة .


شيوخه بالبصرة :

فأقام مدة بالبصرة ، ودرس العلم فيها على جماعة من العلماء .

فمنهم الشيخ محمد المجموعي ، وقرأ الكثير من النحو اللغة والحديث ، كما كتب كثيراً في تلك الإقامة من المباحث النافعة والكتب القيمة ، ونشر علمه النافع وآراءه القيمة حول موضوع البدع والخرافات ، وإنزال التضرع والحاجات بسكان القبور من عظام نخرة ، وأوصال ممزقة ، وعزز كلامه بالآيات الساطعات ، والبراهين الواضحات .

فقابلوه بالتكذيب والأذى وأخرج من البلاد وقت الهجرة (1) وأنزلوا بعض الأذى بشيخه المجموعي .

فقصد الزبير في وقت الصيف وشدة الرمضاء ، وكان ماشياً على رجليه ، وكاد يهلك من شدة الظمإ .

فساق الله إليه رجلاً من بلد الزبير يسمى أبا حميدان ، فرآه من أهل العلم والصلاح ، فحلمه على حماره ، حتى أوصله إلى بلد الزبير .

وتوجه إلى الشام راجلاً لينهل من مناهل العلماء ، ويتغذى من الثقافات الدينية ، مستزيداً .


 

عودته إلى نجد :

غير أنه قلت نفقته،فقفل راجعاً،فأتى الإحساء ،فنزل بها عند الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي ، وقرأ عنده ما شاء الله أن يقرأ .

ثم توجه إلى حريملا ، قرية من نجد ، وذلك لأن والده الشيخ عبد الوهاب قد انتقل إليها .

ولما آب الشيخ من رحلته الطويلة وراء العلم والتحصيل ، لازم أباه ، واشتغل عليه في علم التفسير والحديث وغيرهما .

وعكف على كتب الشيخين : شيخ ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم رحمهما الله ، فزادته تلك الكتب القيمة ، علماً ونوراً وبصيرة، ونفخت فيه روح العزيمة .

ورأى الشيخ بثاقب نظره ما نجد وما بالأقطار التي رحل إليها من العقائد الضالة ، والعادات الفاسدة ، فصمم على القيام بالدعوة .


حالة نجد قبل الدعوة من حيث الديانة والسياسة

سبق أن ذكرنا لك أيها القارئ الكريم ، أن الشيخ رحمه الله زار الحجاز والإحساء والبصرة والزبير، وقيل حتى فارس حسبها نقل عن لمع الشهاب ، ليروي ظمأه من مناهل العلوم الدينية ويتفهم أصول الدين وشرائعه القويمة ، ويقف على أحوال أولئك الأقوام وعقائدهم وعلومهم ، بعدما شاهد في نجد – وطنه – ما شاهد من المنكرات الأثيمة والشركيات القبيحة الذميمة القاتلة لمعني الإنسانية .

وكان أيام تحصيله يقرر لسامعيه ومخالطيه ما فهمه من الدين والتوحيد ، ويبين قبائح ما تأتيه العامة وأشباه العامة من أدعياء العلم .

عندما كان في المدينة المنورة يسمع الاستغاثات برسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاءه من دون الله ، فكان مرجل غيظه ينفجر .

فقال للشيخ محمد حياة السندي : ما تقول يا شيخ في هؤلاء ؟

فأجابه على الفور : { إن هؤلاء متبرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } .

درس أحوال نجد وأهل البلدان التي زارها ، ورأى ما هم فيه من بُعدٍ عن الدين ، ولاسيما نجد .

ماذا رأى ؟

رأى نجداً كما يحدثنا المؤرخون السالفون لنجد ، كابن بشر ، وابن غنام ، والآلوسي والمعاصرون كـ((حافظ وهبة )) وغيره ، مرتعاً للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافي مع أصول الدين الصحيحة .

فقد كان فيها كثير من القبور تنسب إلى بعض الصحابة .

يحج الناس إليها ويطلبون منها حاجاتهم ، ويستغيثون بها لدافع كروبهم .

فقد كانوا في الجُبيلة ، يؤمون قبر زيد بن الخطاب ، ويتضرعون لديه ، ويسألونه حاجاتهم .

وكذلك في الدرعية ، كان قبر لبعض الصحابة كما يزعمون .

وأغرب من ذلك ، توسلهم في بلد المنفوحة بفحل النخل ، اعتقادهم أن من تؤمّه من العوانس تتزوج .

فكانت من تقصد تقول: (( يا فحل الفحول ، أُريد زوجاً قبل الحول )). وفي الدرعية ، كان غار يقصدونه ، بزعم أنه كان ملجأً لإحدى بنات الأمير التي فرت هاربة من تعذيب بعض الطغاة .

وفي شعب غبيرا ، قبر ضرار بن الأزور ، كانوا يأتون لديه من الشرك والمنكر ما لعل مثله ، لا يتصور .

ورأى في الحجاز ، من تقديس قبور الصحابة وأهل البيت والرسول صلى الله عليه وسلم ، مالا يسوغ إلا مع رب الأرباب .

كما رأى في البصرة والزبير ، وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل ، ولا يقره الشرع .

كما سمع عن العيدروس في (( عدن )) والزيلعي في اليمن الشيء الكثير .

رأى ما رأى ، وسمع ما سمع ، وتحقق .

ووازن تلك الأفعال المنكرة بميزان الوحيين كتاب الله المبين وسيرة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم وأصحابه المتقين ، فرآهم في بُعدٍ عن منهج الدين وروحه .

رآهم لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل ؟ ولماذا بعث الله محمداً للناس كافة ؟ ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية ،وما كان فيها من الوثنية الممقوتة ، رآهم غيروا وبدلوا أصول الدين وفروعه ، إلا القليل .

هذه حالتهم في دينهم وعبادتهم .


حالة نجد السياسية :

أما حالتهم السياسية ، فكلما جاء في كتاب (( جزيرة الرب في القرن العشرين )) . رأى أنه ليس هناك قانون ولا شريعة إلا ما قضت به أهواء الأمراء وعمالهم . وكانت نجد متقسمة إلى ولايات عديدة ، يحكم كل واحدة منها أمير ، لا تربطه وجاره أية رابطة .

ومن أهم هؤلاء الأمراء بنو خالد في الإحساء ، وآل معمر في العيينة ، والأشراف في الحجاز .

وعدا هؤلاء ، أمراء لا يعبأ بذكرهم .

وقد كان أولئك الأقوام في حروب دائمة ، لاسيما مع البادية .

وكان الأمير على قدم الاستعداد ، عندما تسنح الفرص ، ليعتدي على جيرانه إذا بدا من هؤلاء الجيران ضعف أو عدم استعداد. انتهى.

هكذا كانت حالة بلاد العرب عند إياب الشيخ من رحلته العلمية .


بدء نهضة الشيخ في الإصلاح الديني :

وبعد أن ثبت لديه وتحقق حالتهم السيئة في دينهم ودنياهم ورأى إقرار العلماء في الحجاز وفي نجد وسائر الأقطار ، على تلك المنكرات والمبتدعات إلا القليل منهم ممن كان لا يتجاسر أن يبوح بمقت ما فعلوا ،وأيقن أنهم قد أدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن، وما تأباه السنة المحكمة . وكان يقوي عقيدته بخطئهم وركونهم إلى البدع ما يقرؤه من الروايات القائلة بأن المسلمين لابد أن يغيروا ، وأن يسلكوا مسالك الذين من قبلهم كالحديث الصحيح (( لتتبعُن سنن من كان قبلكم )) .

وكحديث (( لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان )) .

وحديث (( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ )) .

حينئذ صمم الشيخ أن يعالن قومه بأنهم قد ضلوا الطريق السويّ ، وزاغوا عن منهج الصواب .

 




يقول بعض الكاتبين : حقاً إن المواقف دقيق حرج ، يحتاج إلى شجاعة ماضية ، وإلى إيمان لا يبالي بالإذى في سبيل إرضاء الله وإرضاء الحق الذي اقتنع به ، وسبيل إنقاذ البشرية المعذبة ، كما يحتاج إلى عدة كافية من قوة اللسان ، وإصابة البرهان ، ليواجه ما يجابهه من شبهات واعتراضات ، لابد منها ، ثم إلى مؤازر قوي يحمي ظهره ، ويدافع عن دعوته .


دعوته لقومه :

ابتدأ الشيخ رحمه الله ، دعوته لقومه في بلدة ( حريملا ) وبين لهم أن لا يدعى إلا الله ، ولا يذبح ولا ينذر إلا له ، وأن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار ، من الاستغاثة بها ، وصرف النذور إليها ، واعتقاد النفع والضر منها ، ضلال وزور ، وبأنهم في حالة لا ترضي ، فلابد من نبذ ذلك .

وعزز كلامه بآي من كتاب الله المجيد وأقوال الرسول وأفعاله ، وسيرة أصحابه .

فوقع بينه وبين الناس نزاع وجدال ، حتى مع والده العالم الجليل ، لأنه كان مغتراً بأقاويل المقلدين السالكين تلك الأفعال المنكرة في قوالب حب الصالحين .

فاستمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه وإرشاده .

وتبعه أُناس من أهل تلك البلدة ، حتى انتقل أبوه عبد الوهاب إلى جوار رب الأرباب سنة 1153هـ .

والظاهر أن والده اقتنع بأقوال ابنه ومبادئه،كما اقتنع أخوه سليمان بعدما وقع بينه وبينه نزاع وردود (2) .

وبعد وفاة والده ، جاهر قومه بالدعوة والإنكار على عقائدهم الضالة . ودعا إلى متابعة الرسول في الأقوال والأفعال .

وكان في تلك البلدة قبيلتان ، وكل يدعي الزعامة ، وليس هناك من يحكم الجميع ، ويأخذ حق الضعيف ، ويردع السفيه .

وكان لإحدى القبيلتين ، عبيد يأتون بكل منكر وفساد ، ولا يحجمون عن التعدِّي على العباد .

فصمم الشيخ على منعهم وردعهم .

ولما أحسَّ أولئك الأرقاء بما صمم عليه الشيخ ،عزموا أن يفتكوا به خفية فتسوروا عليه من وراء الجدار .

فشعر بهم بعض الناس ، فصاحوا بهم وهربوا .

عندها غادر الشيخ (حريملا ) إلى ( العيينة ) مسقط رأسه ، وموطن آبائه ، وحكامها إذ ذاك عثمان بن حمد بن معمر . فتلقاه بكل إجلال وإكرام ، وبين الشيخ له دعوته الإصلاحية المباركة ، القائمة على دعائم الكتاب والسنة المطهرة وشرح له معني التوحيد ، وأن أعمال الناس اليوم وعقائدهم منافية للتوحيد . وتلا عليه الآيات والأحاديث النبوية ، ورجاله من الله – إن قام بنصر [ لا إله إلا الله ] – أن ينصره الله ويعلي كلمته ، وتكون له السيادة والزعامة على نجد وغيرها ، وله السعادة الأبدية إن شاء الله .

فقبل عثمان ، ورجب بما قال الشيخ ، فعالن الشيخ بالدعوة إلى الله ، ولإفراد العبادة لله ، والتمسك بسنة رسول الله ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقطع الشيخ الأشجار المعظمة هناك ، وهدم قبة زيد بن الخطاب ، بمساعدة عثمان الأمير / وأقام الحد على إمرأة اعترفت بالزنا مراراً ، بعد ما تأكد من صحة عقلها وكمال حواسها .

فاشتهر أمر الشيخ ، وذاع صيته في البلدان .

فبلغ خبره ( سليمان بن محمد بن عريعر ) حاكم الإحساء وبني خالد .

فبعث هذا الجاهل الظالم إلى عثمان بن معمر كتاباً جاء فيه : إن المطوع الذي عندك ، قد فعل ما فعل ، وقال ما قال ، فإذا وصلك كتابي فاقتله ، فإن لم تقتله ، قطعنا خراجك الذي عندنا في ((الإحساء )) .

فعظم على عثمان الأمر ، وكبر عليه مخالفة ابن عريعر ، وغاب عن ذهنه عظمة رب العالمين .

وكانت النتيجة من جراء ذلك الكتاب وضعف إيمان ابن معمر أن أمر بإخراج الشيخ من بلده .

ولم يفد فيه وعظ الشيخ ونصحه ، وأنه لابد للداعي والمصلح من أن يناله الأذى ، ولابد أن تكون العاقبة للمتقين .

فخرج الشيخ رحمه الله ،يمشي على رجليه موكلاً به فارس يمشي من خلفه،وليس مع الشيخ إلا المروحة في أشد وقت الحر من الصيف.

فهم الفارس بقتل الشيخ ، وكان بإيعاز من ابن معمر ، فارتعدت يده وكفى الله شره .

وكان الشيخ في مشيه لا يفتر عن ذكر الله ، ويردد قوله تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب}.

ونزل الشيخ بالدرعية وقت العصر سنة 1158 هـ ضيفاً على عبد الرحمن بن سويلم ، وابن عمه أحمد بن سويلم .

وخاف ابن سويلم على نفسه من الأمير محمد بن سعود ، لأنه كان يعلم حالة الناس ، وأنهم لا يقبلون ما أتى به هذا العالم الجليل ، ويقابلون ذلك بالأذى ، ولاسيما من بيده الأمر .

ولكن الشيخ الممتليء إيماناً وثقة بالله ، سكن جأشه ، وأفرغ عليه من العظات وملأه رجاءاً وعدةً بأنه لابد من أن يفرج الله وينصره نصراً مؤزراً .

فعلم به الخواص من أهل الدرعية ، فزاروه خفية ، فشرح لهم معاني التوحيد وما يدعو إليه .

وكان للأمير أخوان مشاري وثنيان وزوجة كانت لبيبة عاقلة .

فبين الأخوان – بعدما نهلا من مناهل الشيخ – لأخيهما الأمير ، أن الشيخ محمداً نازل ضيفاً على ابن سويلم ، وأن هذا الرجل غنيمة ساقه الله إليك ، فاغتنم ما خصك الله به ، ورغبوه في زيارة الشيخ ، فامتثل وزار الشيخ .

فدعاه الشيخ إلى التوحيد ، وأن التوحيد هو ما بعثت من أجله الرسل ، وتلا عليه آيات من الذكر الحكيم ، فيها البيان ببطلان عبادة غير الله ولفت نظره إلى ما عليه أهل نجد من الشرك والجهل والفرقة ، والاختلاف وسفك الدماء ، ونهب العباد .

وبالجملة بين له ضعف دينهم ودنياهم ، وجهلهم بشرائع الإسلام ، ورجاه أن يكون إماماً يجتمع عليه المسلمون ، ويكون له الملك والسيادة ، ومن بعده في ذريته .

عند ذلك شرح الله صدر محمد بن سعود وأحبه ، واقتنع بما دعاه إليه الشيخ ، وبشر الأمير السيخ بالنصرة وبالوقوف معه على من خالفه .

وشرط الأمير على الشيخ شرطين :

الأول : أن لا يرجع الشيخ عنه إن نصرهم الله ومكنهم .

والثاني : أن لا يمنع الأمير من الخراج الذي ضربه على أهل الدرعية وقت الثمار .

فقال الشيخ: أما الأول : الدم بالدم ، والهدم بالهدم .

وأما الثاني : فلعل الله يفتح عليك الفتوحات ، وتنال من الغنائم ما يغنيك عن الخراج .

فبايع الأمير الشيخ على الدعوة إلى الله ، والجهاد في سبيل الله ، والتمسك بسنة رسول الله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الشعائر الدينية .

وبعد استقراره في الدرعية ، أتى إليه من كان ينتسب إليه ، ومعتنقاً مبادئ دعوته ، من رؤساء المعامرة وغيرهم ، وأخذت الوفود تأتي من كل حدب لما علموا أن الشيخ في دار منعة .

عند ذلك ، سمع عثمان بن معمر الذي أخرج الشيخ من بلده أن محمد بن سعود رحمه الله قد بايع الشيخ ، وأنه ناصره وأهل الدرعية له مؤيدون ، ومعه قائمون ومجاهدون . فندم عثمان على ما سلف منه في حق الشيخ ، فأتي إليه ومعه ثلة من الرجال من رؤساء البلاد وأعيانها ، واعتذر ، وطلب منه الرجوع .

فعلق الشيخ الأمر على رضاء الأمير محمد بن سعود ، فرفض الأمير السماح ورجع عثمان خائباً .

 




وشدت إلى الشيخ الرحال ، وكثر الوافدون ، ليرتووا من مناهله العذبة الصافية النقية من الخرافات والوثنية .

وكانت الحالة الاقتصادية للأمير والبلاد ، لا تقوي على القيام بمؤن أولئك الوافدين الطالبين .

فكان بعضهم – من شغفه وحبه للعلم – يحترف بالليل بالاجرة ، وفي النهار يحضر الدروس إلى أن وسع الله عليهم وأتي بالفرج واليسر ، بعد الشدة والعسر .

وثابر الشيخ باذلاً جهده ووسعه في إرشاد الناس وتعليمهم ، وبيان معني(لا إله إلا الله)وأنها نفي وإثبات.

فـ(( لا إله )) تنفي جميع المعبودات ، و(( إلا الله )) تثبت العبادة لله . وشرح لهم معني الألوهية بأن الإله : هو الذي تأله القلوب محبة وخوفاً وإجلالاً ورجاءاً .

وعلمهم الأصول الثلاثة .

وبفضل تعاليمه الرشيدة ، تنورت أذهانهم ، وصفت قلوبهم ، وصحت عقائدهم ، وزادت محبة الشيخ في قلوب الوافدين إليه .

ثم أخذ يراسل رؤساء البلدان النجدية وقضاتهم ، ويطلب منهم الطاعة والانقياد ، ونبذ الشرك والعناد .

فمنهم من أطاعه ، ومنهم من عصاه ، واتخذه سخرياً ، واستهزأ به ، ونسبه إلى الجهل وعدم المعرفة .

ومنهم : من نسبه إلى السحر .

ومنهم : من رماه بأمور منكرة ، هو منها بريء ، قاتل الله الجهل والتقليد الأعمى .

ولو كان لأولئك عقل ، لعقلوا أن الجاهل لا يستطيع إقامة الأدلة الصحيحة على مطالبه .

الجاهل لا يستطيع أن يبارز العلماء الأجلاء ببراهين عقلية وحجج سمعية . تقسر السامع على الخضوع .

الساحر لا يأمر بخير ، لا يأمر بمعروف ، ولا ينهي عن منكر .

ولكن لا عجب ، فقد قيل سابقاً للمرسلين ولجميع المصلحين ، مثل هذا الكلام .

واصل الشيخ ليله ونهاره ، في نشر الدعوة والوعظ،وكتابة الرسائل العلمية مكتفياً بهذه الوسيلة السلمية .

والأمير (( محمد بن سعود )) يؤازره حسب مقدرته .

ولكن خصوم الدعوة كانوا يعملون على تأليف القلوب لمحاربة الدعوة بكل الوسائل ، والاعتداء على الداخلين في الدعوة .

فلم ير الشيخ محمد والأمير بداُ من الاستعانة بالسيف بجانب الدعوة الدينية واستمرت الحروب الدينية سنين عديدة .

وكان النصر حليف ابن سعود في أغلب المواقف .

وكانت القرى تسقط واحدة تلو الأخرى بيده .

ودخل البعض في الطاعة بالاختيار والرغبة ، لما عرف حقيقة الأمر .

وإن أردت معرفة عناد القوم وبغيهم وجورهم واعتدائهم ، ونقض بعضهم للعهد مرة بعد مرة ، فاقرأ (( عنوان المجد )) وإن زعماء الدعوة ما كانت خطتهم إلا الدفاع ورفع العقبات عن سبيل الدعوة الخالصة .

وبعد فتح الرياض (3) واتساع ملكهم وانقياد كل صعب لهم ، فوض الشيخ أموال الناس وأموال الغنائم إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود الأمير ، وتفرغ الشيخ للعلم وللعبادة وإلقاء الدروس .

وكان محمد وابنه عبد العزيز لا يتصرفان في شيء إلا بعد أن يعلماه ، ليعلمهما الحكم الشرعي ، ولا ينفذان حكماً إلا عن أمره ورأيه.


وما زال الشيخ على هذه الحالة الحسنة والسيرة الطيبة الطاهرة حتى انتقل إلى جوار ربه في ذي القعدة سنة 1206 رحمه الله وأسكنه فسيح الجنان .



علم الشيخ وصفاته :

كان الشيخ رحمه الله تعالى علماً من الأعلام ، ناصراً للسنة وقامعاً للبدعة ، خبيراً مطلعاً ، إماماً في لتفسير والحديث والفقه وأصوله ، وعلوم الآلة كالنحو والصرف والبيان ، عارفاً بأصول عقائد الإسلام وفروعها ، كشافاً للمشكلات ، حلالاً للمعضلات ، فصيح اللسان ، قوي الحجة ، مقتدراً على إبراز الأدلة وواضح البراهين بأبلغ عبارة وأبينها – تلوح على محياه علامات الصلاح وحسن السير ، وصفاء السريرة ، يحب العباد ويغدق عليهم من كرمه ويصلهم ببره وإحسانه ، ويخلص لله في النصح والإرشاد ، كثير الاشتغال بالذكر والعبادة ، قلما يفتر لسانه من ذكر الله .

وكان يعطي عطاء الواثق بربه ، ويتحمل الدَّين الكثير لضيوفه ومن يسأله . وكان عليه أبهة العظمة ، تنظره الناس بعين الإجلال والتعظيم مع كونه متصفاً بالتواضع واللين ، مع الغني والفقير ، والشريف والوضيع .

وكان يخص طلبة العلم بالمحبة الشديدة ، وينفق عليهم من ماله ، ويرشدهم على حسب استعدادهم .

وكان يجلس كل يوم، عدة مجالس ليلقي دروسه في مختلف العلوم، من توحيد ، وتفسير،وحديث ،وفقه ،وأُصول وسائر العلوم العربية.

وكان عالماً بدقائق التفسير والحديث،وله الخبرة التامة في علله ورجاله، غير ملول ولا كسول من التقرير والتحرير،والتأليف والتدريس.

 


وكان صبوراً عاقلاً ،حليماً ، لا يستفزه الغضب إلا أن تنتهك حرمة الدين أو تهان شعائر المسلمين ، فحينئذ يناضل بسيفه ولسانه ، معظماً للعلماء ، منوهاً بما لهم من الفضائل ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، غير صبور على البدع ، ينكر على فاعليها بلين ورفق، متجنباً الشدة والغضب والعنف ، إلا أن تدعو إليه الحاجة .

ولا غرو إذا اتصف الشيخ بتلك السجايا الحميدة ، والأخلاق الكريمة ، فقد ورث تلك عن آبائه وأسلافه الأبرار ،لأنهم كانوا معروفين بالعلم والفضل والزهد .

فقد كان جده سليمان بن علي عالم نجد في زمانه له اليد الطولي في كثير من الفنون ، فشدت إليه الرحال من أصقاع نجد لتحصيل العلوم .

قال ابن بشر : صنف مصنفات عديدة ، ودرّس وأفتي وأفاد طلاب العلوم من علمه الواسع .

وأبوه الشيخ عبد الوهاب قد كان عالماً كاملاً ، ورعاً ، وزاهداً ،له معرفة تامة في علوم الشريعة وآلاتها .

تولى القضاء في عدة أماكن من نجد ، منها العيينة ، وحريملا ، وله مؤلفات ورسائل مستحسنة ، فرحم الله الجميع رحمة واسعة .


مؤلفات الشيخ :

ألف عدة كتب : منها كتاب التوحيد ، وهو غني بالشهرة عن التعريف به ، كشف الشبهات ، ثلاثة الأصول ، مختصر السيرة النبوية.

مختصر الإنصاف والشرح الكبير في الفقه .

نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين .

كتاب الكبائر ، آداب المشي إلى الصلاة .

أصول الإيمان .

مختصر زاد المعاد .

مختصر صحيح البخاري .

مسائل الجاهلية .

إستنباط من القرآن ( يقع في جزأين ) .

أحاديث الفتن .

وله رسائل عديدة ، وأكثرها في التوحيد .


أبناء الشيخ وتلامذته :

ذكر في (( عنوان المجد )) أن الشيخ رحمه الله قد أخذ عنه العلم عدة من العلماء الأجلاء ، منهم أبناؤه الأربعة العلماء ، والقضاة الفضلاء ، الذين درسوا العلوم الشرعية والفنون الأدبية كما درسوا الفروع والأصول ، وصارت لهم ملكة في المعقول والمنقول .

حسين ، عبد الله ، علي ، إبراهيم (4) .

وقد كان لكل واحد منهم – قرب بيته – مدرسة ، وعنده من طلاب العلوم من أهل الدرعية والغرباء العدد الكثير ، بحيث قد يعده السامع أنه قد بولغ في العدد . ولا زال العلم في ذرية الشيخ وسيكون – إن شاء الله – باقياً إلى أن تقوم الساعة .

وآل الشيخ في هذا اليوم ، هم القائمون في المملكة العربية السعودية بالوظائف الدينية ، من الإفتاء ، والتدريس ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورئاسة المعاهد والكليات ، وحل المشاكل ، والدفاع عن حوزة الدين ، ونصر شريعة سيد المرسلين فجزاهم الله أحسن الجزاء ، ووفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه .

وأما التلامذة والطلاب الذين نهلوا من منهل الشيخ ، وتخرجوا على يده ، وصاروا قضاة ومفتين ، فلا تحصيهم الأقلام . ولا بأس أن نذكر عدداً قليلاً فمنهم الشيخ العالم الجليل حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر والد مؤلف منحة القريب (5) .

والشيخ الزاهد الورع عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري ، تولى القضاء إذ ذاك في ناحية الوشم .

والشيخ الفاضل العالم العامل سعيد بن حجي ، قاضي حوطة بني تميم .

والعالم الجليل الشيخ عبد الرحمن بن نامي ، تولى القضاء ببلد (( العيينة )) والاحساء .

والشيخ المفضال أحمد بن راشد العريني ، القاضي في ناحية (( سدير )) .

والشيخ عبد العزيز أبو حسين .

والشيخ حسن بن عيدان ، وكان قاضياً في بلد حريملاء .

والشيخ عبد العزيز بن سويلم ، وكان قاضياً في بلد (( القصيم )) .

ومن ذرية الشيخ حسن وأشهر الموجودين من نسله في عصرنا الحاضر ، الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وهو الآن مفتي المملكة العربية السعودية وإليه مرجع الهيئات الدينية .

وأخوه الشيخ عبد اللطيف رئيس المعاهد الدينية والكليات ، والشيخ عبد الملك رئيس هيئات الأمر بالمعروف بمكة المكرمة ، كما أن من أشهر الموجودين من نسل الشيخ حسين بن محمد ، الشيخ عمر بن حسن،رئيس هيئة الأمر بالمعروف بـ(( نجد))والمنطقة الشرقية.



[1] - الهجيره

[2] - راجع (( صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان )) ص: 461: الطبعة الثالثة رسالة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب إلى أحمد بن محمد التويجري ، وأحمد ومحمد ابني عثمان بن شبانة ، كيف نصحهم بأن يقوموا مع الحق ، أكثر من قيامهم مع الباطل وصرح فيها بأن الشرك أعظم ما نهى الله عنه : وانظر جواب أولئك الثلاثة


للشيخ سليمان بن عبد الوهاب ص461برجوعهم عما كانوا عليه .

[3] - تم فتح الرياض سنة 1187 : على يد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود بعد أن خرج دهام بن دواس هارباً من الرياض . وكان هروبه بعد أن اعتدى المرات العديدة على أئمة الدعوة ونقض العهد أكثر من مرة : وكانت العاقبة للمتقين وجند الله الموحدين . وفي سنة 1179توفي الإمام محمد بن سعود وبويع على الإمامة ابنه عبد العزيز وفي سنة 1215 غزا سعود بن عبد العزيز بأمر والده العراق وأوقع خسائر هائلة بأهل كربلا ، وهدم قبة قبر الحسين وفي سنة 1218في شهر رجب قتل الإمام عبد العزيز رجل شيعي جاء من العراق ، متنكراً كدرويش وأظهر التنسك والطاعة وتعلم شيئاً من القرآن ، فأكرمه عبد العزيز وأعطاه وأخذ يتعلم أمور الدين ولكنه كان رافضياً خبيثاً فوثب على الإمام من الصف الثالث والناس في السجود فطعنه بخنجر معه انتقاماً منه وقضى الإمام نحبه من جراء ذلك وبويع سعود بن عبد العزيز على الإمامة .  

[4] - وأما ابنه الخامس وهو حسن فالظاهر أنه لم يكن من طلبة العلم الأجلاء وقد أخبرني بعض آل الشيخ أن حسن والد الشيخ عبد الرحمن بن حسن مات شاباً ولم يكن ممن اشتغل كثيراً بالعلم ، بل بالتجارة والأعمال الدنيوية .

[5] - منحة القريب ، في الرد على عباد الصليب ألفه الشيخ العلامة عبد العزيز ابن الشيخ أحمد المذكور وهو اذاك .


المصدر كتاب : الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه

 

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 18 2008, 00:17
رابط المشاركة #12


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977





ترجمة للإمام ابن رجب الحنبلي

هذه ترجمة موجزة للإمام ابن رجب الحنبلي مستفادة من ( مقدمة تحقيق جامع العلوم والحكم للدكتور ماهر الفحل وكتابي إنباء الغمر بأبناء العمر والدرر الكامنة للحافظ ابن حجر العسقلاني )

اسمه :

هو الإمام الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحمان بن أحمد بن عبد الرحمان بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي ، ثم الدمشقي الحنبلي أبو الفرج ، المعروف بابن رجب .

ولادته :

ولد عام 736هـ وقد أرخ الحافظ ابن حجر رحمه الله ولادته في سنة ست وسبعمئة ، ولعله سبق قلم من الناسخ ، والله أعلم

ثناء العلماء عليه :

1- قال أبو المحاسن الدمشقي : ( الإمام الحافظ الحجة والفقيه العمدة أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد مفيد المحدثين واعظ المسلمين) .

2- قال الحافظ ابن حجر : ( الشيخ المحدث الحافظ ... أكثر من المسموع وأكثر الاشتغال حتى مهر) .

3- قال السيوطي : (( هو الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ )) .

4- قال ابن العماد الحنبلي : ( الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي ) .وقال أيضاً : ( وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة وللناس عامة مباركة نافعة ، اجتمعت الفرق عليه ، ومالت القلوب بالمحبة إليه ) . وقال أيضاً : ( وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس ، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين ) .

5- قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر : (رافق شيخنا زين الدين العراقي في السماع كثيراً، ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعللاً وطرقاً واطلاعاً على معانيه)

6- قال ابن حجي : (أتقن الفن وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق وكان لا يخالط أحداً ولا يتردد إلى أحد، مات في رمضان رحمه الله، تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.)

إخلاصه :

ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة :

قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام [البعلي المشهور صاحب الاختيارات والقواعد ] أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة !

فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟!

قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس ، أو ما هذا معناه .

عبادته :

قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر: كان صاحب عبادة وتهجد .

تنبيه :

قال ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر: نقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره التيميون فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وكان قد ترك الإفتاء بأخرة.

قال أبو المهند : ليست هذه نقمة بل هي نعمة أن يوفق المرء لكتب شيخ الإسلام أبي العباس وتلميذه القيم ابن القيم .

شيوخه وتلامذته :

من شيوخه :

 ابن القيم .

 وابن عبد الهادي .

 وابن العطار .

ومن تلاميذه

 الزركشي .

 وابن اللحام.

مصنفاته :

له مصنفات كثيرة ذكر منها الدكتور : ماهر الفحل 23 مؤلفاً فنذكر منها :

 جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم .

 تفسير سورة الإخلاص .

 تفسير سورة النصر .

 فتح الباري شرح صحيح البخاري وصل فيه إلى كتاب الجنائز .

 اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى .

 الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي  : ( بعثت بين يدي الساعة ) .

 شرح علل الترمذي .

 القواعد الفقهية . قال ابن حجر في الدرر الكامنة : أجاد فيه .

 أهوال القبور .

 فضل علم السلف على علم الخلف .

 التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار

 الذيل على طبقات الحنابلة .

 مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز .

 الفرق بين النصيحة والتعيير .

 لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف

.

وفاته :

وتوفي في عام 795هـ قال ابن ناصر الدين الدمشقي : ولقد حدثني من حفر لحد ابن رجب أنَّ الشيخ زين الدين بن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام فقال لي: احفر لي ها هنا لحداً ، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها قال فحفرت له ، فلما فرغ نزل في القبر واضطجع فيه فأعجبه قال : هذا جيد ثم خرج ، وقال : فو الله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتاً محمولاً في نعشه فوضعته في ذلك اللحد .


 



Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 24 2008, 10:59
رابط المشاركة #13


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




 



الإمام الشاطبى

منذ أن أشرق على أرض الكنانة نور الإسلام والمصريون يعنون بالقرآن الكريم، حيث ‏أقبلوا عليه يتلقونه من أفواه الصحابة الكرام، وامتلأت مساجدهم بحلقات القراءة والترتيل، يقوم ‏عليها الصحابة وكبار التابعين، ويؤمها الراغبون في القراءة والتجويد، ثم تطلعت همة كثير من ‏المصريين إلى الرحلة في طلب قراءات الذكر الحكيم، فقصدوا مدينة رسول الله (صلى الله عليه ‏وسلم)، حيث عالمها الفذ الإمام "نافع بن عبد الرحمن" الذي طبقت شهرته في قراءات القرآن ‏العالم الإسلامي حتى وفاته سنة (169هـ=785م).‏

وكان من تلاميذ الإمام نافع من المصريين: "عثمان بن سعيد" المعروف بـ "ورش" ‏المتوفى سنة (197 هـ=812م) وعرف بتمكنه من العربية، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار ‏المصرية، وقصده الناس من كل مكان يتلقون عنه، وحمل عنه قراءته أهل المغرب، وهي ‏القراءة التي لا يزالون حتى الآن يقرءون بها، كما انتشرت في بلاد الأندلس.‏

ومنذ ذلك الحين ومصر لا تخلو في كل عصر من أئمة القراءات، حتى إن السيوطي ‏أحصى 135 عالمًا ممن تصدروا حلقات القراءات حتى زمانه، ولا شك أن هناك أعدادًا كثيرة ‏غيرهم كانوا أقل شهرة ومكانة منهم.‏

وكان ممن بروزا في مصر من علماء القراءات في القرن الرابع الهجري "عبد المنعم بن ‏غلبون" المتوفى سنة ( 389 هـ=998م) صاحب كتاب "الإرشاد"، وابنه طاهر بن غلبون ‏المتوفى سنة (399هـ= 1008م) صاحب كتاب " التذكرة في القراءات"، وتلقى عنه العالم ‏الكبير أبو عمرو الداني أكبر قراء الأندلس في عصره، وهو من أعظم علماء القراءات قاطبة، ‏وصاحب التصانيف المعروفة في هذا العلم كالتمهيد والتيسير. كما تلقى عنه وعن أبيه مكي بن ‏أبي طالب القيرواني.‏

وفي القرن الخامس الهجري لمع عدد كبير من أهل الإقراء في مقدمتهم عبد الجبار ‏الطرسوسي المتوفى سنة (420هـ=1039م) صاحب كتاب المجتبى، والحسن بن محمد ‏البغدادي، المتوفى سنة (428هـ= 1046م) ،وإسماعيل بن خلف المتوفى سنة ‏‏(455هـ=1063م).‏

وفي القرن السادس الهجري نلتقي بعدد وافر من علماء القراءات، كان أبرزهم القاسم بن ‏فيره الذي قدم من الأندلس واستقر بمصر، واشتهر بالشاطبي، وأقبل عليه طلبة العلم من كل ‏مكان.‏

المولد والنشأة

شاطبة مدينة أندلسية تقع على نحو خمسين كيلومترًا جنوب غربي بلنسية على مقربة من ‏البحر المتوسط، وكانت مدينة زاهرة في ظل العهد الإسلامي، وظلت من أهم قواعد الأندلس ‏الشرقية حتى سقطت من أيدي المسلمين سنة (647هـ= 1249م).‏

ويعود بقاء تردد اسمها إلى اليوم على ألسنة كثير من أهل العلم إلى اثنين من أنبغ من ‏أنجبت الثقافة الإسلامية، أما أحدهما فهو الفقيه الأصولي إبراهيم بن موسى بن محمد المعروف ‏بـ "الشاطبي" صاحب كتاب "الموافقات في أصول الفقه"، و"الاعتصام"، وأما الآخر فهو القاسم ‏بن فيره صاحب المنظومة المعروفة بالشاطبية في علم القراءات.‏

في هذه المدينة العريقة ولد القاسم بن فيره بن خلف في سنة (538هـ= 1143م) وكف ‏بصره صغيرًا، وعنيت به أسرته، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم طرفًا من الحديث والفقه، واتجه ‏إلى حلقات العلم التي كانت تعقد في مساجد شاطبة، ومالت نفسه إلى علم القراءات، فتلقاها على ‏أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفزي، ثم شد رحاله إلى بلنسية وكانت من حواضر العلم ‏في الأندلس، فقرأ على ابن هزيل، وسمع الحديث منه ومن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف ‏بن سعادة، وأبي محمد عاشر بن محمد بن عاشر، وأبي محمد عبد الله بن أبي جعفر المرسي، ‏ودرس كتاب سيبويه، والكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة على أبي عبد الله محمد بن حميد، ‏ودرس التفسير على أبي الحسن بن النعمة، صاحب كتاب "ري الظمآن في تفسير القرآن".‏

الاستقرار بالقاهرة

رحل القاسم إلى الحج، وهو في طريقه إلى الأراضي الحجازية نزل الإسكندرية، حيث ‏الحافظ أبي طاهر السلفي، وكانت شهرته في الحديث قد عمت "الآفاق" ويشد إليه العلماء ‏الرحال من الشرق والمغرب يتتلمذون على يديه،.‏

استقر الشاطبي بالإسكندرية فترة من الزمن تلقى فيها الحديث عن الحافظ السلفي، ثم ‏استكمل طريقة إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، وفي طريق العودة دخل مصر وكانت تحت ‏حكم الأيوبيين؛ فأكرم "القاضي الفاضل" وفادته وأحسن استقباله وعرف مكانته، وأنزله مدرسته ‏التي بناها بدرب الملوخية بالقاهرة، وجعله شيخًا لها.‏

طابت للشاطبي الحياة بالقاهرة فاستوطنها واستقر بها، وجلس للإقراء والتعليم، فطارت ‏شهرته في الآفاق، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، وكان الشيخ إمامًا متقنًا في علمه، متبحرًا ‏في فنه، آية في الفهم والذكاء، حافظًا للحديث بصيرًا باللغة العربية، إمامًا في اللغة، مع زهد ‏ودين وورع وإخلاص، زاده هيبة وإجلالا، وأسبغ عليه الاشتغال بالقرآن نورًا كسا وجهه وألقى ‏محبة له في القلوب.‏

ولما فتح الله على الناصر صلاح الدين باسترداد مدينة بيت المقدس -رد الله غربتها- ‏سنة (583هـ= 1187م) توجه إلى الشاطبي فزاره سنة (589هـ= 1193م)، ثم رجع فأقام ‏بالمدرسة الفاضلية وأقام بها يقرئ الناس ويعلمهم.‏

منظومة الشاطبية

تعود شهرة القاسم بن فيره إلى منظومته "حزر الأماني ووجه التهاني" في القراءات ‏السبع، وهي قراءات نافع إمام أهل المدينة، وابن كثير إمام أهل مكة، وأبي عمرو بن العلاء بن ‏العلاء إمام أهل البصرة، وعاصم وحمزة والكسائي أئمة أهل الكوفة، وابن عامر إمام أهل ‏الشام.‏

والشاطبية قصيدة لامية اختصرت كتاب "التيسير في القراءات السبع" للإمام أبي عمرو ‏الداني المتوفى سنة (444هـ= 1052م)، وقد لقيت إقبالا منقطع النظير، ولا تزال حتى يومنا ‏هذا العمدة لمن يريد إتقان القراءات السبع، وظلت موضع اهتمام العلماء منذ أن نظمها الشاطبي ‏رواية وأداء، وذلك لإبداعها العجيب في استعمال الرمز وإدماجه في الكلام، حيث استعمله ‏عوضًا عن أسماء القراء أو الرواة، فقد يدل الحرف على قارئ واحد أو أكثر من واحد، وهناك ‏رموز ومصطلحات في المنظومة البديعة، لا يعرفها إلا من أتقن منهج الشاطبي وعرف ‏مصطلحه، وقد ضمّن في مقدمة المنظومة منهجه وطريقته، ومن أبياتها:‏

جزى الله بالخيرات عنا أئمة لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلا

فمنهم بدور سبعة قد توسطت سماء العلا والعدل زهر وكُمَّلا

لها شهب عنها استنارت فنورت سواد الدجى حتى تفرق وانجلا

ولم يحظ كتاب في القراءات بالعناية التي حظيت بها هذه المنظومة، حيث كثر شُراحها ‏وتعددت مختصراتها، ومن أشهر شروح الشاطبية:‏

‏• فتح الوصيد في شرح القصيد لـ "علم الدين السخاوي"، المتوفى سنة (643هـ= ‏‏1245م).‏

‏• وإبراز المعاني من حرز التهاني لـ "أبي شامة"، المتوفى (665هـ= 1266م).‏

‏• وكنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني لـ "الجعبري"، المتوفى سنة ‏‏(_732هـ=1331م).‏

‏• وسراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي لـ "ابن القاصح"، المتوفى (801هـ= ‏‏1398م).‏

‏• وتقريب النفع في القراءات السبع للشيخ "علي محمد الضياع"، شيخ عموم المقارئ ‏المصرية.‏

وقد حصر أحد الباحثين المغاربة أكثر من مائة عمل ما بين شرح للشاطبية وحاشية على ‏الشرح. وللشاطبي منظومتان معروفتان هما:‏

‏• عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد، وهي في بيان رسم المصحف.‏

‏• وناظمة الزهرة في أعداد آيات السور.‏

وفاته

ظل الشاطبي في القاهرة يقيم حلقته في مدرسته، ويلتف حوله تلاميذه النابهون من أمثال ‏أبي الحسن على بن محمد السخاوي، وكان أنبغ تلاميذه، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بعد شيخه، ‏وأبي عبد الله محمد بن عمر القرطبي، وأبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب وغيرهم كثير. ‏ولم تطل بالشاطبي الحياة، حيث تُوفي وعمره اثنان وخمسون عامًا في (28 من جمادى الآخرة ‏‏590هـ= 20 من يونيو 1194م)، ودفن في تربة القاضي الفاضل بالقرب من سفح جبل ‏المقطم بالقاهرة.‏

من مصادر الدراسة:‏

‎•‎ ‏ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء ـ تحقيق ج برحستراسر ـ دار ‏الكتب العلمية ـ بيروت ـ (1402 هـ= 1982م). ‏

‎•‎ ‏ شمس الدين الذهبي: معرفة القراء الكبار ـ تحقيق بشار عواد معروف ‏وآخرين ـ مؤسسة الرسالة بيروت ـ بدون تاريخ. ‏

‎•‎ ‏ عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ـ تحقيق عبد الفتاح محمد ‏الحلو، ومحمود محمد الطناجي ـ هجر للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ ‏‏(1413 هـ= 1992م). ‏

‎•‎ ‏ ابن خلكان: وفيات الأعيان ـ تحقيق إحسان عباس ـ دار صادر ـ بيروت ‏ـ (1398هـ= 1978م). ‏

‎•‎ ‏ الإسنوي: طبقات الشافعية ـ تحقيق عبد الله الجبوري ـ رئاسة ديوان ‏الأوقاف ـ بغداد ـ 1391م. ‏

‎•‎ ‏ أحمد اليزيدي: الجعبري ومنهجه في كنز المعاني في شرح حرز الأماني ـ ‏وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ الرباط ـ (1419هـ= 1998م). ‏

‎•‎ ‏ شوقي ضيف: عصر الدول والإمارات (مصر ـ سوريا) دار المعارف ـ ‏القاهرة ـ 1984م.‏



Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 24 2008, 11:30
رابط المشاركة #14


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977






ابن سيرين

عُرف محمد بن سيرين بالزهد والورع، وكان محدثًا بارعًا وفقيهًا متمكنًا، وقد اجتمع ‏على حبه أهل زمانه، حيث وجدوا فيه من العلم والحكمة والأدب والزهد والتواضع ما جعله ‏يتربع في أفئدتهم ونفوسهم وعقولهم ويحظى بتلك المنزلة الرفيعة.‏

الميلاد والنشأة

ولد أبو بكر محمد بن سيرين البصري الأنصاري في خلافة عثمان بن عفان رضي الله ‏عنه سنة (33 هـ = 653م)، فهو من التابعين الذين عُرفوا بالزهد والورع، وكان إمام عصره ‏في علوم الدين، وقد اشتهر بالعلم والفقه وتعبير الرؤيا.‏

وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، وهو من سبي "عين التمر"، وقد كاتبه أنس على عشرين ‏ألف درهم، فأداها وعُتِقَ. وكانت أمه صفية مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.‏

شيوخه وتلاميذه

وقد سمع محمد بن سيرين من عدد من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وجندب بن عبد ‏الله البجلي، وأبو هريرة، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم، وسليمان ‏بن عامر، وأم عطية الأنصارية.‏

كما سمع من عدد من التابعين منهم: عبيدة السلماني، ومسلم بن يسار، وشريح، وقيس بن ‏عباد، وعلقمة، والربيع بن خيثم، ومعبد بن خيثم، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد ‏الرحمن بن أبي بكر، وأخته حفصة بنت أبي بكر، وغيرهم كثيرون.‏

وذكر أنه أدرك ثلاثين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وروى عنه عدد ‏كبير من التابعين، منهم: الشعبي وأيوب، وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم.‏

زهده وورعه

كانت حياة ابن سيرين تفيض بالروحانية وتشع بالزهد والورع، فقد كان كثير الصوم ‏والذكر، يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدى ولا يتعشى، ثم يتسحر ‏ويصبح صائمًا.‏

وكان دائم الذكر والدعاء لله ، وكان له سبعة أوراد يقرؤها بالليل، فإذا فاته منها شيء ‏قرأه في النهار، وكان يحيي الليل في رمضان.‏

روى هشام بن حسان قال: "ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في جوف الليل وهو ‏يصلي،

وكان إذا ذُكر الموت مات كل عضو منه على حِدَتِهِ، وتغيّر لونه واصفر، وكأنه ليس ‏بالذي كان". وقد وصفه الحافظ أبو نعيم في طبقاته بقوله: "كان ذا ورع وأمانة وحيطة وحسانة، ‏كان بالليل بكّاء، وبالنهار بسّامًا سائحًا، يصوم يومًا ويفطر يومًا". وقال عنه بكر بن عبد الله ‏المزني: "من سره أن ينظر إلى أورع أهل زمانه؛ فلينظر إلى محمد بن سيرين، فوالله ما أدركنا ‏من هو أورع منه".‏

قدوة حتى في السجن

وكان ابن سيرين على قدر من الثراء، وكان له ثلاثون ولدًا، ولكنه امتُحن بفقد المال ‏والولد؛ فقد توفي أبناؤه جميعًا فلم يبق منهم غير عبد الله.‏

كما فقد أمواله حينما أصيب بخسارة كبيرة في تجارته، وقد تعرض للسجن، فقد حُبس في ‏دين ركبه لغريمٍ له، فقد كان اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجد في زقٍ من هذه الصفقة ‏فأرة، فما كان منه إلا أن صب الزيت كله، ولم يبع شيئًا منه، فقد أبت عليه أمانته وخلقه ‏وورعه أن يطعمه الناس أو يبيعهم إياه؛ حيث ظن أن الفأرة كانت في المعصرة.‏

وقد ضرب ابن سيرين أروع الأمثلة في الأمانة والصدق وحسن الخلق حتى وهو في ‏سجنه، حيث إنه لمّا حبس في دينه، وهو من هو في زهده وورعه وعلمه، وكانت شهرته قد ‏طبقت الآفاق وعرفه الناس وعلموا فضله ومكانته، فقد تعاطف معه سجانه، وأبت عليه مروءته ‏أن يبات هذا العالم الجليل في جنبات السجن، وأن يقضي ليله خلف القضبان كالمجرمين، فقال ‏له: "إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك، وإذا أصبحت فتعال"، فما كان من ذلك العالم القدوة إلا أن ‏أجابه بثقة وإيمان: "لا والله لا أعينك على خيانة السلطان".‏

وتجلت أمانته وصدقه في موقف آخر تعرض له وهو في سجنه أيضا؛ فحينما حضرت ‏الوفاة أنس بن مالك أوصى أن يغسّله محمد بن سيرين، فلما أتوه في ذلك قال: "أنا محبوس"! ‏قالوا: قد استأذنّا الأمير فأذن لك. فإذا به يجيبهم بتلك الهمة العالية، والوعي الشديد: "إن الأمير ‏لم يحبسني، وإنما حبسني الذي له الحق"، فلما أذن له صاحب الحق خرج فغسّله.‏

في حياته الخاصة

كان ابن سيرين مثالا صادقًا للمسلم الحق وللخلق الرفيع، وكانت حياته حافلة بالصور ‏الرائعة للأمانة والزهد والبر والتواضع، يقدم في حياته وسلوكه القدوة والنموذج للداعية الواعي ‏والعابد المخلص والصديق الناصح والابن البار والعالم المجتهد والتاجر الأمين.‏

لقد كان بارًا بأمه شديد اللين والتواضع لها، يخفض لها جناح الذل والرحمة حتى لا يُسمع ‏له صوت بحضرتها ولا يكلمها إلا عن ضعف وخضوع، حتى قال عنه بعض آل سيرين: "ما ‏رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه إلا وهو يتضرع".‏

تغلب ابن سيرين على محنته بالصبر والإيمان والتسليم بقضاء الله ، فحينما ركبه الدين لم ‏يقنط ولم ييئس، وإنما كان صابرًا شاكرًا، ووجد في الزهد الدواء لكل داء، ووجد في الذكر ‏والدعاء البرء والشفاء، فخفّف من مطعمه حتى كان أكثر أدمه السمك الصغار، ووصل ليله ‏بنهاره في الصلاة والذكر والدعاء.‏

ثناء العلماء والفقهاء عليه

نال ابن سيرين حب وثناء وتقدير الكثير من العلماء ممن عاصروه وممن جاءوا من ‏بعده، وشهد له كثيرون بالفضل والزهد والورع والعلم والفقه.‏

فقال عنه الخطيب البغدادي في تاريخه: "كان ابن سيرين أحد الفقهاء المذكورين بالورع ‏في وقته". وقال عنه مورق العجلي: "ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من ‏محمد بن سيرين". وقال ابن عون: "كان ابن سيرين من أرجى الناس لهذه الأمة وأشدهم أزرًا ‏على نفسه". وقال عثمان البتي: "لم يكن بهذه البلدة أحد أعلم بالقضاء من محمد بن سيرين". ‏وقال خلف: "كان محمد بن سيرين قد أُعطي هديًا وسمتًا وخشوعًا فكان الناس إذا رأوه ذكروا ‏الله". وقال يونس بن عبيد: "أما ابن سيرين فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما". ‏وقال سفيان بن عيينة: لم يكن في كوفي ولا بصرى ورع مثل ورع محمد بن سيرين".‏

رواياته من الحديث

روى محمد بن سيرين عددًا من الأحاديث، فقد سمع عن عدد من الصحابة وروى عنهم، ‏ومما أسند ابن سيرين من أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) ما رواه عن أبي هريرة رضي ‏الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل ناسيًا وهو صائم فليتم فإنما أطعمه ‏الله وسقاه" أخرجه البخاري.‏

وروى أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "في يوم الجمعة ‏ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه" أخرجه البخاري. وروى عنه ‏أيضا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من هم بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، ‏ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ‏وإن عملها كتبت" أخرجه مسلم.. وقد بلغ عدد مروياته في الكتب التسعة (874) حديثًا.‏

آثاره ومؤلفاته

عرف ابن سيرين بالحكمة والزهد، وكان بليغًا فصيحًا في مواعظه، ومن أقواله التي ‏صارت تجري مجرى الأمثال لفصاحتها وبلاغتها، ويسرها: "إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرًا ‏جعل له واعظًا من قلبه يأمره وينهاه".. "ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره".. ‏‏"الكلام أوسع من أن يكذب فيه ظريف".. "لا تكرم أخاك بما يشق عليك".. "العزلة عبادة".‏



تفسير الأحلام

ويعد ابن سيرين الرائد الأول لعلم تفسير الأحلام، وهو أول من أفرد له التصانيف، ‏وجعله علمًا له أدواته وأصوله وقواعده وشروطه.‏

وقد صنف ابن سيرين كتابين يعدان أساسًا لمن صنّف بعده في هذا الفن وهما: تعبير ‏الرؤيا، وتفسير الأحلام الكبير. وقد طبعا مرارًا.‏

منهجه في تفسير الأحلام

أوضح ابن سيرين في مقدمة كتابه "تعبير الرؤيا" شروط تعبير الرؤيا التي يجب أن يكون ‏عليها من يتعرض لهذا الفن، فيقول: "إن الرؤيا لما كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءا من ‏النبوة، لزم أن يكون المعبر عالمًا بكتاب الله ، حافظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏خبيرًا بلسان العرب واشتقاق الألفاظ، عارفًا بهيئات الناس، ضابطًا لأصول التعبير، عفيف ‏النفس، طاهر الأخلاق، صادق اللسان؛ ليوفقه الله لما فيه الصواب ويهديه لمعرفة معارف أولي ‏الألباب".‏

ويرى ابن سيرين أن الرؤيا قد تُعبّر باختلاف أحوال الأزمنة والأوقات، فتارة تعبر من ‏كتاب الله ، وتارة تعبر من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما قد تعبر بالمثل السائر. ‏فأما التأويل من القرآن فكالبيض يُعبّر عنها بالنساء ، لقوله تعالى: "كأنهن بيض مكنون"، ‏وكالحجارة يعبر عنها بالقسوة، لقوله تعالى: "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد ‏قسوة".‏

وأما التأول من حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) فكالضلع يعبر عنه بالمرأة؛ لأن ‏رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "المرأة خُلقت من ضلع أعوج"، وكالفأرة يعبر عنها ‏بالمرأة الفاسقة لقوله (صلى الله عليه وسلم) "الفأرة فاسقة"، وكالغراب الذي يعبر عنه بالرجل ‏الفاسق؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) سمّاه فاسقًا.‏

نماذج من تفسير الرؤيا عنده

جعل ابن سيرين لكل رمز من الرموز التي يراها النائم في منامه معنى يدل عليه في ‏سياق الجو الذي يحيط به والملابسات والحوادث التي يظهر من خلالها؛ فمن رأى أنه دخل ‏الجنة، فإنه يدخلها، وهي بشارة له بما تقدم من صالح الأعمال، فإن رأى أنه يأكل ثمارها، أو ‏أعطاها غيره فإن ثمار الجنة كلام طيب، مثل كلام البر والخير بقدر ذلك.‏

أما رؤيا المطر فإنها دليل غيث ورحمة، وكذلك الغمام، فإن كان خاصًا في موضع دار ‏أو محلة دون غيرها كان ذلك أوجاعًا أو أمراضًا، أو خسارة في الدنيا تقع بأهل ذلك الموضع ‏المخصوص بها.‏

ورؤية الحية تأويلها عدو كاتم العداوة مبالغ فيها بقدر عظم الحية وهيبتها في المنظر. ‏والنور في التأويل هداية. والظلمة ضلال. والطريق طريق الحق، والميل عنه ميل إلى الباطل. ‏والأسد عدو متسلط ذو سلطان وبأس شديد. أما الكلب فعدو غير بالغ في عدواته، وقد ينقلب ‏صديقًا، ولكنه دنيء النفس قليل المروءة.‏

وفاته

توفي ابن سيرين بالبصرة في (9 من شوال 110هـ = 15 من يناير 729م) عن عمر ‏بلغ نحو ثمانين عامًا.‏

أهم مصادر الدراسة:‏

‎•‎ تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي- دار الكتب العلمية – ‏بيروت: د.ت. ‏

‎•‎ تهذيب الأسماء واللغات: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي- مكتب ابن ‏تيمية – القاهرة: د.ت. ‏

‎•‎ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني- دار ‏الكتب العلمية – بيروت: 1409 هـ = 1988م. ‏

‎•‎ صفة الصفوة: جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي – تحقيق: محمود فاضوري- ‏دار المعرفة – بيروت: د.ت. ‏

‎•‎ المعارف: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري – تحقيق: د. ثروت عكاشة- ‏دار المعارف بمصر – القاهرة: 1389 هـ = 1969م.

*************



Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 24 2008, 11:31
رابط المشاركة #15


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




القاضى عياض

‏"مقام عياض مثل مقام البخاري والأئمة الأربعة؛ فهم حملة الشريعة وعلومها التي يبثُّونها ‏في صدور الرجال بالتلقين والتأليف، ذَبُّوا عن الشريعة بسيوف علومهم؛ فبقيت علومهم خالدة ‏تالدة إلى الأبد، وكم من ولي لله كان معهم وبعدهم بكثير، كان لهم تلاميذ وأوراد، وانقطعت تلك ‏الأوراد وباد المريدون بمرور الأزمان، وأئمة العلم ما زالوا بعلومهم كأنهم أحياء.." هذا الكلام ‏النفيس من بيان أبي عبد الله محمد الأمين في كتابه "المجد الطارف والتالد"، يصف مكانة ‏القاضي عياض العلمية، وقدره الرفيع بين علماء الإسلام، وليس في كلام الشيخ مبالغة أو ‏تزويد؛ فقد حقق القاضي عياض شهرة واسعة حتى قيل: لولا عياض لما عُرف المغرب، ‏وكأنهم يعنون –في جملة ما يعنون- أنه أول من لفت نظر علماء المشرق إلى علماء المغرب ‏حتى أواسط القرن السادس الهجري.‏

المولد والنشأة

يعود نسب القاضي "عياض بن موسى اليحصبي" إلى إحدى قبائل اليمن العربية ‏القحطانية، وكان أسلافه قد نزلوا مدينة "بسطة" الأندلسية من نواحي "غرناطة" واستقروا بها، ثم ‏انتقلوا إلى مدينة "فاس" المغربية، ثم غادرها جده "عمرون" إلى مدينة "سبتة" حوالي سنة (373 ‏هـ = 893م)، واشتهرت أسرته بـ"سبتة"؛ لما عُرف عنها من تقوى وصلاح، وشهدت هذه ‏المدينة مولد عياض في (15 من شعبان 476هـ = 28 من ديسمبر 1083م)، ونشأ بها وتعلم، ‏وتتلمذ على شيوخها.‏

الرحلة في طلب العلم

رحل عياض إلى الأندلس سنة (507هـ = 1113م) طلبًا لسماع الحديث وتحقيق ‏الروايات، وطاف بحواضر الأندلس التي كانت تفخر بشيوخها وأعلامها في الفقه والحديث؛ ‏فنزل قرطبة أول ما نزل، وأخذ عن شيوخها المعروفين كـ"ابن عتاب"، و"ابن الحاج"، و"ابن ‏رشد"، و"أبي الحسين بن سراج" وغيرهم، ثم رحل إلى "مرسية" سنة (508هـ = 1114م)، ‏والتقى بأبي علي الحسين بن محمد الصدفي، وكان حافظًا متقنًا حجة في عصره، فلازمه، ‏وسمع عليه الصحيحين البخاري ومسلم، وأجازه بجميع مروياته.‏

اكتفى عياض بما حصله في رحلته إلى الأندلس، ولم يلبث أن رحل إلى المشرق مثلما ‏يفعل غيره من طلاب العلم، وفي هذا إشارة إلى ازدهار الحركة العلمية في الأندلس وظهور ‏عدد كبير من علمائها في ميادين الثقافة العربية والإسلامية، يناظرون في سعة علمهم ونبوغهم ‏علماء المشرق المعروفين.‏

عاد عياض إلى "سبتة" غزير العلم، جامعًا معارف واسعة؛ فاتجهت إليه الأنظار، والتفَّ ‏حوله طلاب العلم وطلاب الفتوى، وكانت عودته في (7 من جمادى الآخرة 508هـ = 9 من ‏أكتوبر 1114م)، وجلس للتدريس وهو في الثانية والثلاثين من عمره، ثم تقلد منصب القضاء ‏في "سبتة" سنة (515 هـ = 1121م) وظل في منصبه ستة عشر عامًا، كان موضع تقدير ‏الناس وإجلالهم له، ثم تولى قضاء "غرناطة" سنة (531هـ = 1136م) وأقام بها مدة، ثم عاد ‏إلى "سبتة" مرة أخرى ليتولى قضاءها سنة (539هـ = 1144م).‏

القاضي عياض محدثًا

كانت حياة القاضي عياض موزعة بين القضاء والإقراء والتأليف، غير أن الذي أذاع ‏شهرته، وخلَّد ذكره هو مصنفاته التي بوَّأَتْه مكانة رفيعة بين كبار الأئمة في تاريخ الإسلام، ‏وحسبك مؤلفاته التي تشهد على سعة العلم وإتقان الحفظ، وجودة الفكر، والتبحر في فنون ‏مختلفة من العلم.‏

وكان القاضي عياض في علم الحديث الفذَّ في الحفظ والرواية والدراية، العارف بطرقه، ‏الحافظ لرجاله، البصير بحالهم؛ ولكي ينال هذه المكانة المرموقة كان سعيه الحثيث في سماع ‏الحديث من رجاله المعروفين والرحلة في طلبه، حتى تحقق له من علو الإسناد والضبط ‏والإتقان ما لم يتحقق إلا للجهابذة من المحدِّثين، وكان منهج عياض في الرواية يقوم على ‏التحقيق والتدقيق وتوثيق المتن، وهو يعد النقل والرواية الأصل في إثبات صحة الحديث، ‏وتشدد في قضية النقد لمتن الحديث ولفظه، وتأويل لفظه أو روايته بالمعنى، وما يجره ذلك من ‏أبواب الخلاف.‏

وطالب المحدث أن ينقل الحديث مثلما سمعه ورواه، وأنه إذا انتقد ما سمعه فإنه يجب ‏عليه إيراد ما سمعه مع التنبيه على ما فيه؛ أي أنه يروي الحديث كما سمعه مع بيان ما يَعِنُّ له ‏من تصويب فيه، دون قطع برأي يؤدي إلى الجرأة على الحديث، ويفتح بابًا للتهجم قد يحمل ‏صاحبه على التعبير والتصرف في الحديث بالرأي.‏

وألَّف القاضي في شرح الحديث ثلاثة كتب هي: "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" ‏وهو من أدَلِّ الكتب على سعة ثقافة عياض في علم الحديث وقدرته على الضبط والفهم، والتنبيه ‏على مواطن الخطأ والوهم والزلل والتصحيف، وقد ضبط عياض في هذا الكتاب ما التبس أو ‏أشكل من ألفاظ الحديث الذي ورد في الصحيحين وموطأ مالك، وشرح ما غمض في الكتب ‏الثلاثة من ألفاظ، وحرَّر ما وقع فيه الاختلاف، أو تصرف فيه الرواة بالخطأ والتوهم في السند ‏والمتن، ثم رتَّب هذه الكلمات التي عرض لها على ترتيب حروف المعجم.‏

أما الكتابان الآخران فهما "إكمال المعلم" شرح فيه صحيح مسلم، و"بغية الرائد لما في ‏حديث أم زرع من الفوائد".‏

وله في علم الحديث كتاب عظيم هو " الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع"‏

‏... فقيهًا

درس القاضي عياض على شيوخه بـ"سبتة" المدونة لابن سحنون، وهو مؤلَّف يدور عليه ‏الفقه المالكي، ويُعَدُّ مرجعَهُ الأول بلا منازع، وقد كُتبت عليه الشروح والمختصرات ‏والحواشي، غير أن المدونة لم تكن حسنة التبويب؛ حيث تتداخل فيها المسائل المختلفة في الباب ‏الواحد، وتعاني من عدم إحكام وضع الآثار مع المسائل الفقهية.‏

وقد لاحظ القاضي عياض هذا عند دراسته "المدونة" على أكثر من شيخ؛ فنهض إلى عمل ‏عظيم، فحرَّر رواياتها، وسمى رواتها، وشرح غامضها، وضبط ألفاظها، وذلك في كتابه ‏‏"التنبيهات المستنبَطة على الكتب المدونة والمختلطة" ولا شكَّ أن قيام القاضي عياض بمثل هذا ‏العمل يُعد خطوة مهمة في سبيل ضبط المذهب المالكي وازدهاره.‏

القاضي عياض مؤرخًا

ودخل القاضي ميدان التاريخ من باب الفقه والحديث، فألَّف كتابه المعروف " تدريب ‏المدارك"، وهو يُعَدُّ أكبر موسوعة تتناول ترجمة رجال المذهب المالكي ورواة "الموطأ" ‏وعلمائه، وقد استهلَّ الكتاب ببيان فضل علم أهل المدينة، ودافع عن نظرية المالكية في الأخذ ‏بعمل أهل المدينة، باعتباره عندهم من أصول التشريع، وحاول ترجيح مذهبه على سائر ‏المذاهب، ثم شرع في الترجمة للإمام مالك وأصحابه وتلاميذه، وهو يعتمد في كتابه على نظام ‏الطبقات دون اعتبار للترتيب الألفبائي؛ حيث أورد بعد ترجمة الإمام مالك ترجمة أصحابه، ثم ‏أتباعهم طبقة طبقة حتى وصل إلى شيوخه الذين عاصرهم وتلقى على أيديهم.‏

والتزم في طبقاته التوزيع الجغرافي لمن يترجم لهم، وخصص لكل بلد عنوانًا يدرج تحته ‏علماءه من المالكية؛ فخصص للمدينة ومصر والشام والعراق عناوين خاصة بها، وإن كان ‏ملتزما بنظام الطبقات.‏

وأفرد لعلمائه وشيوخه الذين التقى بهم في رحلته كتابه المعروف باسم "الغُنية"، ترجم لهم ‏فيه، وتناول حياتهم ومؤلفاتهم وما لهم من مكانة ومنزله وتأثير، كما أفرد مكانا لشيخه القاضي ‏أبي على الحسين الصدفي في كتابه "المعجم" تعرض فيه لشيخه وأخباره وشيوخه، وكان ‏‏"الصدفي" عالمًا عظيما اتسعت مروياته، وصار حلقة وصل بين سلاسل الإسناد لعلماء المشرق ‏والمغرب؛ لكثرة ما قابل من العلماء، وروى عنهم، واستُجيز منهم.‏

... أديبًا

وكان القاضي أديبًا كبيرًا إلى جانب كونه محدثًا فقيهًا، له بيان قوي وأسلوب بليغ، يشف ‏عن ثقافة لغوية متمكنة وبصر بالعربية وفنونها، ولم يكن ذلك غريبًا عليه؛ فقد كان حريصًا ‏على دراسة كتب اللغة والأدب حرصه على تلقي الحديث والفقه، فقرأ أمهات كتب الأدب، ‏ورواها بالإسناد عن شيوخه مثلما فعل مع كتب الحديث والآثار، فدرس "الكامل" للمبرد و"أدب ‏الكاتب" لابن قتيبة، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، و"ديوان الحماسة"، و"الأمالي" لأبي علي ‏القالي.‏

وكان لهذه الدراسة أثرها فيما كتب وأنشأ، وطبعت أسلوبه بجمال اللفظ، وإحكام العبارة، ‏وقوة السبك، ودقة التعبير.‏

وللقاضي شعر دوَّنته الكتب التي ترجمت له، ويدور حول النسيب والتشوق إلى زيارة ‏النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمعروف أن حياته العلمية وانشغاله بالقضاء صرفه عن أداء ‏فريضة الحج، ومن شعره الذي يعبر عن شوقه ولوعته الوجدانية ولهفته إلى زيارة النبي (صلى ‏الله عليه وسلم):‏

بشراك بشراك فقد لاحت قبابهم

فانزل فقد نلت ما تهوى وتختار

هذا المحصب، هذا الخيف خيف منى

هذي منازلهم هذي هي الدار

هذا الذي وخذت شوقًا له الإبل

هذا الحبيب الذي ما منه لي بدل

هذا الذي ما رأتْ عين ولا سمعت

أذْنٌ بأكرمَ من كَفِّهِ إن سألوا‏

ولا يمكن لأحد أن يغفل كتابه العظيم "الشفا بأحوال المصطفى" الذي تناول فيه سيرة النبي ‏‏(صلى الله عليه وسلم)، وقصد من كتابه إحاطة الذات النبوية بكل ما يليق بها من العصمة ‏والتفرد والتميز عن سائر البشر، في الوقت الذي كانت فيه آراء جانحة تخوض في مسألة ‏النبوة، وتسوِّي بين العقل والوحي. ولما كان النص الشرعي مصدرًا أساسيًا للمعرفة وأصلا لا ‏يحتمل النزاع فيه متى ثبت بالسند الصحيح، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) مصدر هذه ‏المعرفة، فقد انبرى القاضي عياض ببيان مقام النبوة وصيانته من كل ما لا يليق به.‏

وفاته

عاش القاضي عياض الشطر الأكبر من حياته في ظل دولة "المرابطين"، التي كانت تدعم ‏المذهب المالكي، وتكرم علماءه، وتوليهم مناصب القيادة والتوجيه، فلما حلَّ بها الضعف ودبَّ ‏فيها الوهن ظهرت دولة "الموحدين"، وقامت على أنقاض المرابطين، وكانت دولة تقوم على ‏أساس دعوة دينية، وتهدف إلى تحرير الفكر من جمود الفقهاء والعودة إلى القرآن والسنة بدلاً ‏من الانشغال بالفروع الفقهية، وكان من الطبيعي أن يصطدم القاضي عياض -بتكوينه الثقافي ‏ومذهبه الفقهي- مع الدولة القادمة، بل قاد أهل "سبتة" للثورة عليها، لكنها لم تفلح، واضطر ‏القاضي أن يبايع زعيم "الموحدين" عبد المؤمن بن علي الكومي.‏

ولم تطُلْ به الحياة في عهد "الموحدين"، فتوفي في (9 من جمادى الآخرة 544 هـ = 14 ‏من أكتوبر 1149م)‏

من مصادر الدراسة:‏

‎•‎ ابن بشكوال: كتاب الصلة ـ الدار المصرية للتأليف والترجمة ـ القاهرة ـ ‏‏1966م.‏

‎•‎ القاضي عياض: ترتيب المدارك ـ تحقيق أحمد بكير محمود ـ مكتبة الحياة ـ ‏بيروت ـ بدون تاريخ.‏

‎•‎ محمد الكتاني: القاضي عياض، الشخصية والدور الثقافي ـ مجلة الدارة ـ ‏العدد الرابع ـ السنة السادسة عشر ـ 1411‏


Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 25 2008, 10:17
رابط المشاركة #16


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977





الإمام النسائي صاحب السنن



نسبه ونشأته

هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام ناقد الحديث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي صاحب السنن.

ولد بنسا في سنة 215هـ وطلب العلم في صغره فارتحل إلى قتيبة في سنة 230هـ فأقام عنده بمدينة بغلان سنة فأكثر عنه، ومن شيوخه إسحاق بن راهويه وهشام بن عمار ويروي عن رفقائه.

مكانته العلمية

كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف رحل في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.

حدث عنه أبو بشر الدولابي وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وغيرهم كثير.

قال الحافظ ابن طاهر سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه فقلت قد ضعفه النسائي فقال يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم قلت صدق فإنه ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.




قال الحاكم كلام النسائي على فقه الحديث كثير ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه، وقال ابن الأثير في أول جامع الأصول كان شافعيا له مناسك على مذهب الشافعي وكان ورعا متحريا قيل إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره عليه قلنسوة وقباء وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان فخاف أن يكون عينا عليه فمنعه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ولذلك ما قال حدثنا الحارث وإنما يقول قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.

قال مأمون المصري المحدث خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.

وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ من يصبر على ما يصبر عليه النسائي عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة قال فما حدث بها.

مناقبه وفضائله

قال محمد بن المظفر الحافظ سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.

ثناء العلماء عليه

قال الحافظ أبو علي النيسابوري:الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي.

وقال أبو الحسن الدار قطني أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.

وقال الدار قطني كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث ولم يحدث عن غير النسائي وقال رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى

قال أبو سعيد ابن يونس في تاريخه كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا.

قال أبو عبد الله بن منده الذين أخرجوا الصحيح وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة البخاري ومسلم وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.

وفاته

روى أبو عبد الله بن مندة عن حمزة العقبي المصري وغيره أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله فقال لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل قال فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة فتوفي بها كذا قال وصوابه إلى الرملة.

وقال الدار قطني خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة فقال احملوني إلى مكة فحمل وتوفي بها وهو مدفون بين الصفا والمروة وكانت وفاته في شعبان سنة 303هـ قال وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال.

تراث النسائي

ترك النسائي مجموعة من الكتب أهمها كتاب السنن وهو الذي عرف به وجاء في سير أعلام النبلاء عن كتبه الأخرى " قد صنف مسند علي وكتابا حافلا في الكنى وأما كتاب خصائص علي فهو داخل في سننه الكبير وكذلك كتاب عمل اليوم والليلة وهو مجلد هو من جملة السنن الكبير في بعض النسخ وله كتاب التفسير في مجلد وكتاب الضعفاء وأشياء والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتنى منه انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه وإجازة لفوت له محدد في الأصل.

***********


التوقيع



Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 28 2008, 10:32
رابط المشاركة #17


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




الألوسى

تمتعت الأسرة الآلوسية بمنزلة رفيعة وتقدير عظيم لمكانة أبنائها واشتغالهم بالعلم ‏وتصدرهم للدرس والإفتاء والقضاء في بغداد. وأصل هذه الأسرة من جزيرة آلوس في نهر ‏الفرات، ومن هنا جاءت التسمية، وقد ارتحل عميد هذه الأسرة الكريمة السيد محمود الخطيب ‏الآلوسي إلى بغداد واتخذها وطنًا في الثلث الأخير من القرن القرن الثاني عشر الهجري، وكان ‏عالمًا صالحًا، أحسن تربية أبنائه وتعليمهم، فساروا في طريقه، وجلسوا للتدريس والقضاء، ‏وتعاقب أحفاده يحملون راية آبائهم في تواصل جاد وعمل مثمر حتى يومنا هذا، غير أن الذي ‏طير شهرة العائلة، وجعلها محط الأنظار هو الإمام أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله ‏صلاح الدين بن محمود الخطيب الآلوسي. ‏

المولد والنشأة ‏

ولد أبو الثناء محمود الآلوسي في بغداد في (15 شعبان 1217 هـ = 11 من ديسمبر ‏‏1803م). ‏

ونشأ في بيت علم وفضل، فأبوه واحد من كبار علماء بغداد، وكان بيته كعبة للعلماء ‏والطلاب، حيث تعقد جلسات العلم وتطرح سائله وقضاياه المختلفة في الفقه والحديث والتفسير ‏والنحو والبلاغة والبيان وغيرها من العلوم. ‏

وفي هذا الجو العلمي نشأ الصبي الصغير، وتعلقت عيناه بأبيه وهو يراه يتصدر تلك ‏الحلقات مناقشًا ومحاورًا ومعلمًا، ويلقى من الحاضرين أسمى آيات التقدير والإعجاب، وسمت ‏نفس الصبي إلى طلب العلم وتحصيله، وكان في نفسه استعداد عظيم للعلم، وحافظة قوية تلتهم ‏ما تقرأه، وهمة عالية في المثابرة على المذاكرة، ولم تمض عليه سنوات قليلة حتى كان قد أتم ‏حفظ المتون في الفقه والنحو والعقيدة والفرائض قبل أن يتم الرابعة عشرة من عمره. ‏

ولم يقتصر الآلوسي في طلب العلم على والده، بل اتجه إلى حلقات غيره من أفذاذ العلماء ‏في عصره، فاتصل بالشيخ علي السويدي، وأمين الحلي، وخالد النقشبندي، وعبد العزيز ‏الشواف، ثم تطلعت همته إلى السفر إلى بيروت ودمشق، ليتتلمذ على علمائها. ‏

علاقته بداود باشا ‏

وفي تلك الفترة كانت العراق قد شهدت بواكير نهضة مباركة قام عليها داود باشا والي ‏بغداد النابه، فاستقدم عددًا من الخبراء الأوروبيين وعهد إليهم بإنشاء المصانع وبناء المدارس، ‏وأقام مطبعة حديدة، وأصدر صحيفة سماها جرنال العراق، وأعاد تعمير المساجد القديمة، ‏وعين بها جماعة من العلماء للتدريس، وكان لهذه الجهود أثر لا ينكر في تحريك الحياة ‏الراكدة، وكان من الطبيعي أن يجد الفتى النابه في داود باشا رمزًا للنهوض واليقظة، فوقف ‏معه وعاونه. ‏

ولما اشتد الخلاف بين داود باشا والدولة العثمانية، وكان هو واليا من قبلها وقف الآلوسي ‏في صف الوالي وآزره، وحشد الرأي العام في تأييده ومعاونته ضد الجيش العثماني الذي أحكم ‏الحصار على بغداد، وشاءت الأقدار أن ينتشر الطاعون في بغداد فيعصف بالأهالي في غير ‏رحمة، وزاد الأمر سوءا فيضان دجلة بمياه كاسحة أغرقت المدينة، ولم يجد داود باشا فائدة من ‏المقاومة فاستسلم للجيش العثماني. ‏

وجاء قائد الحملة ليبحث عن رجال داود باشا ومعاونيه ويزج بهم في السجون، وكان ‏الآلوسي واحدا ممن طالتهم المحنة، وحلت بهم المصيبة، وزجوا في السجون. ‏

في كنف الوالي الجديد ‏

غير أن نباهة الآلوسي وسعة علمه بلغت مسامع الوالي الجديد رضا باشا، فطلب بعض ‏مؤلفاته ليقرأها وكان على حظ من المعرفة، فنالت إعجابه، وأصدر أمرًا بالإفراج عن الآلوسي ‏وعينه خطيبًا لجامع الشيخ عبد القادر الجيلي، وكان يحضر دروسه، فأعجب بحسن بيانه ‏وغزارة علمه، واتفق أن أنجز كتابه "كتاب البرهان في إطاعة السلطان" فقدمه إليه، فأجازه ‏عليه بتولية أوقاف مدرسة مرجان التاريخية، وكانت لا تُعطي إلا للجهابذة من العلماء، ثم ولاه ‏منصب الإفتاء في بغداد وهو في الثلاثين من عمره، تقديرًا لعلمه وكفايته ونبوغه وذكائه، كان ‏يشترط فيمن يتولى هذا المنصب الجليل في الدولة العثمانية أن يكون حنفي المذهب؛ لأنه ‏المذهب الرسمي للدولة، وعلى الرغم من كون الآلوسي شافعي المذهب فإنه استطاع في فترة ‏قصيرة أن يدرس المذهب في أوسع كتبه ومدوناته الكبيرة، وأن يلم بقضاياه ومسائله. ‏

ولما ظهرت نعمة الله على الآلوسي واتسع رزقه، اشترى دارًا واسعة، وجعل قسمًا منها ‏مسكنًا لطلابه الذين يغدون إليه من أطراف العراق وكردستان لتلقي العلم عليه، ولم يكتف ‏الآلوسي باستقبالهم في مسكنه، وإنما امتدت إليه مظلة كرمه، فكان يطعمهم ويتكفل بهم. ‏

محنته ‏

لم يمكث رضا باشا في ولايته على العراق طويلا، فحل مكانه محمد نجيب، ولم يجد ‏الآلوسي في ظل ولايته ما كان يجده عند الوالي السابق من التقدير والإجلال، بل ضاق من ‏مكانته ونفوذه العلمي في بغداد، فانتهز فرصة اشتعال مظاهرة ضده واتهم الآلوسي بأنه الذي ‏يقف خلفها، وسارع بغزله عن الإفتاء، وحاربه في رزقه، وحال بينه وبين السفر إلى الأستانة ‏لمقابلة الخليفة العثماني. ‏

واضطرته هذه الظروف الصعبة إلى بيع أثاث بيته حتى يتمكن من الإنفاق على بيته ‏وعلى العشرات من طلابه الذين يسكنون بيته، وكانت في الشيخ عزة نفس وإباء، فلم يشأ أن ‏يعلن عن ضيق ذات يده، وفي الوقت نفسه انشغل بإكمال تفسيره للقرآن حيث كان يجد فيه ‏السلوى عما به من ضيق، حتى إذا انقضت سنوات المحنة انطلق إلى الأستانة ومعه تفسيره ‏‏(1267 هـ = 1851م). ‏

الرحلة إلى الأستانة ‏

وفي دار الخلافة العثمانية استقبله محمد عارف حكمت شيخ الإسلام استقبالا حسنًا، ‏وأشار عليه أن يكتب إلى الصدر الأعظم مذكرة عن حاله وما يرجوه، فكتب إليه، فأعجب ‏الصدر الأعظم بما كتب، ونعم برضا الخليفة عبد المجيد، الذي رتب له مالا جزيلا كل عام، ‏وعاد إلى بغداد بعد أن مكث في دار الخلافة واحدًا وعشرين شهرًا، وخرجت بغداد كلها في ‏استقباله. ‏

مؤلفاته ‏

ترك الآلوسي مؤلفات كثيرة، إذ كان ذا قلم سيال، وفكر متدفق، ومنطق منظم، وبدأ ‏التأليف منذ فترة باكرة وهو في الثالثة عشرة، ثم تتابعت مؤلفاته تترى في حياته المديدة، ومن ‏هذه المؤلفات: ‏

‏- الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية، وهو إجابة لأسئلة بعث بها إليه أهالي الهند ‏يستفتونه في بعض المسائل، وقد أجازه السلطان العثماني محمود الثاني على هذا الكتاب جائزة ‏سنية (قيمة). ‏

‏- الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية، ويحتوي على ثلاثين مسألة مهمة في الفقه ‏والتفسير واللغة والمنطق. ‏

‏- نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول، ودون فيه رحلته إلى عاصمة دار الخلافة ‏واصفًا ما نزل به المدن، ومن قابله من الناس، وهي تعد وثيقة تاريخية تسجل فترة زمنية من ‏التاريخ الاجتماعي والثقافي لأمتنا. ‏

‏- سُفْرة الزاد لسَفْرة الجهاد، دعا فيها المسلمين إلى اليقظة علميًا واقتصاديًا وعسكريًا، ‏وأعلن أن الجهاد فريضة محتومة أمام اعتداءات الاستعمار. ‏

روح المعاني ‏

غير أن أجل إنتاج الآلوسي وأعظم آثاره التي جعلت له اسمًا مدويًا، وجلبت له الذيوع ‏والشهرة، وأنزلته منزلة رفيعة بين كبار العلماء هو تفسيره المعروف بـ"روح المعاني" في ‏تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، وهو تفسير جامع لخلاصة كل ما سبقه من التفاسير مثل ‏تفسير ابن عطية وتفسير أبي حيان، والكشاف للزمخشري وتفسير أبي السعود وتفسير ‏البيضاوي وتفسير الفخر الرازي، وصاغ من ذلك كله تفسيره بعد أن أطال النظر فيما قرأ، ‏ووازن وقارن ورجح ما اختاره، معتمدًا على زاد كبير من الثقافة الواسعة في علوم الشرع ‏واللغة. ‏

وتوسع الآلوسي في تفسيره في المسائل البلاغية، وعني بمسائل النحو ولزم حدود ‏الاعتدال في مناقشة الآراء الفقهية المخالفة للمذهب الحنفي. ‏

وفاة الآلوسي ‏

كان الآلوسي إمامًا لمدرسة كبيرة امتدت به، وتأثرت بطريقته ومنهجه في التأليف، ولولاه ‏لربما تاخرت النهضة العلمية في العراق؛ لأن تلاميذه حملوا رايته ونهجوا طريقته، فاتصل ‏تأثيره في الأجيال اللاحقة ولم ينقطع، وقد مدح في حياته ورثي بعد مماته بأشعار كثيرة لم تتح ‏نظائرها إلا للملوك والأمراء، وقد جمع تلميذه الأديب عبد الفتاح الشواف، وابنه أبو البركات ‏نعمان خير الدين هذه الأشعار في كتاب كبير من مجلدين سمياه: حديقة الورود في مدائح أبي ‏الثناء محمود. ‏

ولم تطل الحياة بعد عودة الآلوسي من عاصمة دار الخلافة، حيث لقي ربه في (25 من ‏ذي القعدة سنة 1270 هـ = 19 أغسطس 1854م). ‏

من مصادر الدراسة: ‏

‎•‎ محمد حسين الذهبي – التفسير والمفسرون – مكتبة وهبة – القاهرة. ‏

‎•‎ محمد رجب البيومي – النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار ‏القلم – دمشق – 1415 هـ = 1995م. ‏

عباس العزاوي – ذكرى أبي الثناء الآلوسي – بغداد – 1958م. ‏

‎•‎ محمد بهجة الأثري – الألسيون – موسوعة الحضارة الإسلامية (فصلة تجريبية ‏‏– عماده 1989م. ‏



***************
Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 28 2008, 10:32
رابط المشاركة #18


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




الإمام الصنعاني رحمه الله

صاحب سبل السلام شرح بلوغ المرام

هو السيد، العلامة، بدر الملة النَّيِّر، المؤيَّد بالله: محمد ابن الإمام، المتوكل ‏على الله: إسماعيل بن صلاح، الأمير، الصنعاني، اليمني : الإمام الكبير، ‏المحدث، الأصولي، المتكلم الشهير؛ قرأ كتب الحديث، وبرع فيها؛ وكان ‏إماما في الزهد والورع، يعتقده العامة والخاصة، ويأتونه بالنذور، فيردها ‏ويقول: إن قبولها تقرير لهم على اعتقادهم أنه من الصالحين، وهو يخاف ‏أنه من الهالكين.‏

حكى بعض أولاده: أنه قرأ - وهو يصلي بالناس صلاة الصبح -: (هل أتاك ‏حديث الغاشية)، فبكى وغشي عليه؛ وكان والده: ولي الله بلا نزاع، من ‏أكابر الأئمة وأهل الزهد والورع، استوى عنده الذهب والحجر؛ وخلف ‏أولادا هم أعيان العلماء والحكماء.‏

قال الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي، الشافعي، - في ذخيرة الآمال، في ‏شرح عقد جواهر اللآل -: الإمام، السيد، المجتهد الشهير، المحدث الكبير، ‏السراج المنير: محمد بن إسماعيل، الأمير، مسند الديار، ومجدد الدين في ‏الأقطار، صنف أكثر من مائة مؤلف، وهو لا ينسب إلى مذهب، بل مذهبه: ‏الحديث.‏

قال: أخذ عن علماء الحرمين، واستجاز منهم، وارتبط بأسانيدهم.‏

له مصنفات جليلة ممتعة، تنبئ عن سعة علمه، وغزارة اطلاعه على العلوم ‏النقلية والعقلية، وكان ذا علم كبير، ورياسة عالية، وله في النظم اليد ‏الطولى، بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولم يقلد أحدا من أهل المذاهب، وصار ‏إماما، كاملا، مكملا بنفسه.‏

مصنفاته أزيد من أن تذكر ، منها: (سبل السلام، شرح بلوغ المرام)، ‏و(منحة الغفار، حاشية ضوء النهار)؛ و (إسبال المطر، على قصب السكر) ‏و (جمع التشتيت، في شرح أبيات التثبيت) و(توضيح الأفكار، في شرح ‏تنقيح الأنظار)... إلى غير ذلك من الرسائل والمسائل التي لا تحصى، ‏وكلها فريدة في بابها، خطيبة في محرابها؛ حجَّ وزار، واستفاد من علماء ‏الحرمين الشريفين، وغيرهم من فضلاء الأمصار، فهو أكرم من أن يصفه ‏مثلي، وقفت له على قصائد بديعة، ونظم رائق، وكان له صولة في الصدع ‏بالحق، واتباع السنة، وترك البدعة، لم ير مثله في هذا الأمر.‏

توفي - رحمه الله - في سنة 1182 هـ.‏

أفاده القنوجي رحمه الله في أبجد العلوم.‏

*********

Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 28 2008, 10:33
رابط المشاركة #19


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




 

الحافظ ابن حجر رحمه الله

ترجمة الحافظ ابن حجر رحمه الله

صاحب كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام

شيخ الإسلام: أبو الفضل، أحمد بن شيخ الإسلام علاء الدين علي، ‏المعروف: بابن حجر العسقلاني المصري، صاحب: فتح الباري شرح ‏صحيح البخاري، الإمام، العلامة، الحجة، هادي الناس إلى المحجة، له ‏تصانيف على أكف القبول مرفوعة، وآثار حسنة لا مقطوعة ولا ممنوعة.‏




جمع من العلوم والفضائل والحسنات، والكمالات والمبرات، والتصنيفات ‏والتأليفات، مالا يأتي عليه الحصر.‏

كان حافظا، دينا، ورعا، زاهدا، عابدا، مفسرا، شاعرا، فقيها، أصوليا، ‏متكلما، ناقدا، بصيرا، جامعا ، حرر ترجمته جمع من الأعيان، وعدّوه في ‏جملة البالغين إلى درجة الاجتهاد في هذا الشأن، منها: كتاب الجواهر ‏والدرر، في ترجمة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر.‏

وتشهد بفضائله، وغزارة علومه، وكثرة فواضله، تآليفه الموجودة بأيدي ‏الناس، وقد رزق السعادة التامة، والإتقان الكبير، والإنصاف الكامل فيها، ‏منها: بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وهو كتاب لو خُطَّ بماء الذهب، وبيع ‏بالأرواح والمهج، لما أدى حقه.‏

ومنها: الدرر الكامنة، في أعيان المائة الثامنة.‏

وكتاب: تلخيص الحبير، في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.‏

وتعجيل المنفعة في رجال الأربعة، إلى غير ذلك من الرسائل المختصرة، ‏والدفاتر المطولة، - والله يختص برحمته من يشاء -.‏

وهو الإمام، العلامة، حافظ العصر، قاضي القضاة، شيخ الإسلام.‏

ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وتوفي ليلة السبت المسفر صباحها، في ‏ثامن عشر ذي الحجة، سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، وكان عمره إذ ذاك ‏تسعة وسبعين سنة، وأربعة أشهر، وعشرة أيام، وصلى عليه خلق كثير.‏

وتصانيفه أكثر من أن تحصى، وكلها أتقن من تأليفات السيوطي، وشهرته ‏تغني عن إكثار المدح له، وإطالة ترجمته.‏

أفاده القنوجي رحمه الله في أبجد العلوم.‏

*************



Go to the top of the page
 
Quote Post
مناين
المشاركة Jul 28 2008, 10:33
رابط المشاركة #20


عضو متميز
*****

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 7,889
التسجيل: 22-October 07
البلد: اكادير
رقم العضوية: 4,977




جلال الدين السيوطي

ولد السيوطي مساء يوم الأحد غرة شهر رجب [849هـ= سبتمبر 1445م] بالقاهرة، واسمه ‏عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، وكان سليل أسرة اشتهرت بالعلم ‏والتدين، وكان أبوه من العلماء الصالحين ذوي المكانة العلمية الرفيعة التي جعلت بعض أبناء ‏العلماء والوجهاء يتلقون العلم على يديه. ‏

وقد توفي والد السيوطي ولابنه من العمر ست سنوات، فنشأ الطفل يتيمًا، واتجه إلى حفظ ‏القرآن الكريم، فأتم حفظه وهو دون الثامنة، ثم حفظ بعض الكتب في تلك السن المبكرة مثل ‏العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، فاتسعت مداركه وزادت معارفه. وكان ‏السيوطي محل العناية والرعاية من عدد من العلماء من رفاق أبيه، وتولى بعضهم أمر الوصاية ‏عليه، ومنهم "الكمال بن الهمام الحنفي" أحد كبار فقهاء عصره، وتأثر به الفتى تأثرًا كبيرًا ‏خاصة في ابتعاده عن السلاطين وأرباب الدولة. ‏

شيوخه ‏

عاش السيوطي في عصر كثر فيه العلماء الأعلام الذين نبغوا في علوم الدين على تعدد ‏ميادينها، وتوفروا على علوم اللغة بمختلف فروعها، وأسهموا في ميدان الإبداع الأدبي، فتأثر ‏السيوطي بهذه النخبة الممتازة من كبار العلماء، فابتدأ في طلب العلم سنة [ 864 هـ= 1459م] ‏ودرس الفقه والنحو والفرائض، ولم يمض عامان حتى أجيز بتدريس العربية، وألف في تلك ‏السنة أول كتبه وهو في سن السابعة عشرة، فألف "شرح الاستعاذة والبسملة" فأثنى عليه شيخه ‏‏"علم الدين البلقيني". ‏

وكان منهج السيوطي في الجلوس إلى المشايخ هو أنه يختار شيخًا واحدًا يجلس إليه، فإذا ما ‏توفي انتقل إلى غيره، وكان عمدة شيوخه "محيي الدين الكافيجي" الذي لازمه السيوطي أربعة ‏عشر عامًا كاملة وأخذ منه أغلب علمه، وأطلق عليه لقب "أستاذ الوجود"، ومن شيوخه "شرف ‏الدين المناوي" وأخذ عنه القرآن والفقه، و"تقي الدين الشبلي" وأخذ عنه الحديث أربع سنين فلما ‏مات لزم "الكافيجي" أربعة عشر عامًا وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني، وأخذ ‏العلم ـ أيضًا ـ عن شيخ الحنفية "الأفصرائي" و"العز الحنبلي"، و"المرزباني" "وجلال الدين ‏المحلي" و"تقي الدين الشمني" وغيرهم كثير، حيث أخذ علم الحديث فقط عن ‏(150) شيخًا من النابهين في هذا العلم.



ولم يقتصر تلقي السيوطي على الشيوخ من العلماء الرجال، بل كان له شيوخ من النساء ‏اللاتي بلغن الغاية في العلم، منهن "آسية بنت جار الله بن صالح"، و"كمالية بنت محمد الهاشمية" ‏و "أم هانئ بنت أبي الحسن الهرويني"، و"أم الفضل بنت محمد المقدسي" وغيرهن كثير. ‏

رحلاته ‏

كانت الرحلات وما تزال طريقًا للتعلم، إلا أنها كانت فيما مضى من ألزم الطرق للعالم الذي ‏يريد أن يتبحر في علمه، وكان السيوطي ممن سافر في رحلات علمية ليلتقي بكبار العلماء، ‏فسافر إلى عدد من الأقاليم في مصر كالفيوم ودمياط والمحلة وغيرها، وسافر إلى الشام واليمن ‏والهند والمغرب والتكرور (تشاد حاليًا) ورحل إلى الحجاز وجاور بها سنة كاملة، وشرب من ‏ماء زمزم ليصل في الفقه إلى رتبة سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن ‏حجر العسقلاني. ‏

ولما اكتملت أدوات السيوطي جلس للإفتاء سنة [871 هـ=1466م] وأملى الحديث في العام ‏التالي، وكان واسع العلم غزير المعرفة، يقول عن نفسه: "رُزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير ‏والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع"، بالإضافة إلى أصول الفقه والجدل، ‏والقراءات التي تعلمها بنفسه، والطب، غير أنه لم يقترب من علمي الحساب والمنطق. ‏

ويقول: "وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله ‏تعالى لا فخرًا.. وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر؟!!". ‏

وكانت الحلقات العلمية التي يعقدها السيوطي يقبل عليها الطلاب، فقد عُيّن في أول الأمر ‏مدرسًا للفقه بالشيخونية، وهي المدرسة التي كان يلقي فيها أبوه دروسه من قبل، ثم جلس لإملاء ‏الحديث والإفتاء بجامع ابن طولون، ثم تولى مشيخة الخانقاه البيبرسية التي كانت تمتلئ برجال ‏الصوفية. ‏

وقد نشب خلاف بين السيوطي وهؤلاء المتصوفة، وكاد هؤلاء المتصوفة يقتلون الرجل، ‏حينئذ قرر أن يترك الخانقاه البيبرسية، ويعتزل الناس ومجتمعاتهم ويتفرغ للتأليف والعبادة.

اعتزال السيوطي الحياة العامة ‏

قضى السيوطي فترة غير قصيرة في خصومات مع عدد من علماء عصره، كان ميدانها ‏الحملات الشرسة في النقد اللاذع في الترجمة المتبادلة، ومن خصومه: البرهان الكركي، وأحمد ‏بن محمد القسطلاني، والشمس الجوجري، غير أن أشد خصوماته وأعنفها كانت مع شمس الدين ‏السخاوي، الذي اتهم السيوطي بسرقة بعض مؤلفاته، واغتصاب الكتب القديمة التي لا عهد ‏للناس بها ونسبتها إلى نفسه. ‏

ولم يقف السيوطي مكتوف الأيدي في هذه الحملات، بل دافع عن نفسه بحماسة بالغة وكان ‏من عادته أن يدعم موقفه وقراره بوثيقة ذات طابع أدبي، فألف رسالة في الرد على السخاوي، ‏اسمها "مقامة الكاوي في الرد على السخاوي" نسب إليه فيها تزوير التاريخ، وأكل لحوم العلماء ‏والقضاة ومشايخ الإسلام. ‏

وكان لهذه العلاقة المضطربة بينه وبين بعض علماء عصره، وما تعرض له من اعتداء في ‏الخانقاه البيبرسية أثر في اعتزال الإفتاء والتدريس والحياة العامة ولزوم بيته في روضة ‏المقياس على النيل، وهو في الأربعين من عمره، وألف بمناسبة اعتزاله رسالة أسماها "المقامة ‏اللؤلؤية"، ورسالة "التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس". ‏

وقد تنبه بعض خصوم السيوطي إلى خطئهم فيما صوبوه إلى هذا العالم الجليل من سهام في ‏النقد والتجريح وخصومات ظالمة، فأعلنوا عن خطئهم، وفي مقدمتهم الشيخ القسطلاني الذي ‏أراد أن يسترضي هذا العالم الجليل الذي لزم بيته وعزف عن لقاء الناس، فتوجه إليه حافيًا ‏معتذرًا، غير أن هذا الأمر لم يجعل السيوطي يقطع عزلته ويعود إلى الناس، ولكنه استمر في ‏تفرغه للعبادة والتأليف. ‏

اعتزال السلاطين

عاصر السيوطي (13) سلطانًا مملوكيًا، وكانت علاقته بهم متحفظة، وطابعها العام المقاطعة ‏وإن كان ثمة لقاء بينه وبينهم، وضع نفسه في مكانته التي يستحقها، وسلك معهم سلوك العلماء ‏الأتقياء، فإذا لم يقع سلوكه منهم موقع الرضا قاطعهم وتجاهلهم، فقد ذهب يومًا للقاء السلطان ‏الأشرف قايتباي وعلى رأسه الطيلسان [عمامة طويلة] فعاتبه البعض، فأنشأ رسالة في تبرير ‏سلوكه أطلق عليها "الأحاديث الحسان في فضل الطيلسان". ‏

وفي سلطنة طومان باي الأول حاول هذا السلطان الفتك بالسيوطي، لكن هذا العالم هجر بيته ‏في جزيرة الروضة واختفى فترة حتى عُزل هذا السلطان. ‏

وكان بعض الأمراء يأتون لزيارته، ويقدمون له الأموال والهدايا النفيسة، فيردها ولا يقبل ‏من أحد شيئا، ورفض مرات عديدة دعوة السلطان لمقابلته، وألف في ذلك كتابًا أسماه "ما وراء ‏الأساطين في عدم التردد على السلاطين". ‏

ريادة ثقافية في عصر العلماء

كان السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن ‏التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير ‏وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع. ‏

وقد أعانه على كثرة تأليفه انقطاعه التام للعمل وهو في سن الأربعين حتى وفاته، وثراء ‏مكتبته وغزارة علمه وكثرة شيوخه ورحلاته، وسرعة كتابته، فقد اتسع عمره التأليفي (45) ‏سنة، حيث بدأ التأليف وهو في السابعة عشرة من عمره، وانقطع له (22) عامًا متواصلة، ولو ‏وُزع عمره على الأوراق التي كتبها لأصاب اليوم الواحد (40) ورقة، على أن القسم الأكبر من ‏تأليفه كان جمعًا وتلخيصًا وتذييلا على مؤلفات غيره، أما نصيبه من الإبداع الذاتي فجِدّ قليل. ‏

وقد تمنى السيوطي أن يكون إمام المائة التاسعة من الهجرة لعلمه الغزير، فيقول: "إني ‏ترجيت من نعم الله وفضله أن أكون المبعوث على هذه المائة، لانفرادي عليها بالتبحر في أنواع ‏العلوم". ‏

وزادت مؤلفات السيوطي على الثلاثمائة كتاب ورسالة، عدّ له بروكلمان (415) مؤلفا، ‏وأحصى له "حاجي خليفة" في كتابه "كشف الظنون" حوالي (576) مؤلفا، ووصل بها البعض ‏كابن إياس إلى (600) مؤلف. ‏

‏ ومن مؤلفاته في علوم القرآن والتفسير: "الاتقان في علوم التفسير"، و"متشابه القرآن"، و" ‏الإكليل في استنباط التنزيل"، و"مفاتح الغيب في التفسير"، و"طبقات المفسرين"، و"الألفية في ‏القراءات العشر". ‏

أما الحديث وعلومه، فكان السيوطي يحفظ مائتي ألف حديث كما روى عن نفسه، وكان ‏مغرما بجمع الحديث واستقصائه لذلك ألف عشرات الكتب في هذا المجال، يشتمل الواحد منها ‏على بضعة أجزاء، وفي أحيان أخرى لا يزيد عن بضع صفحات.. ومن كتبه: "إسعاف المبطأ ‏في رجال الموطأ"، و" تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك"، و" جمع الجوامع"، و" الدرر ‏المنتثرة في الأحاديث المشتهرة"، و" المنتقى من شعب الإيمان للبيهقي"، و"أسماء المدلسين"، ‏و"آداب الفتيا"، و" طبقات الحفاظ".‏

وفي الفقه ألف "الأشباه والنظائر في فقه الإمام الشافعي"، و"الحاوي في الفتاوي"، و" الجامع ‏في الفرائض" و" تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع".‏

وفي اللغة وعلومها كان له فيها أكثر من مائة كتاب ورسالة منها: "المزهر في اللغة"، ‏و"الأشباه والنظائر في اللغة"، و"الاقتراح في النحو"، و"التوشيح على التوضيح"، و"المهذب فيما ‏ورد في القرآن من المعرب"، و"البهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك".‏

وفي ميدان البديع كان له: "عقود الجمان في علم المعاني والبيان"، و"الجمع والتفريق في ‏شرح النظم البديع"، و"فتح الجليل للعبد الذليل".‏

وفي التاريخ والطبقات ألف أكثر من (55) كتابًا ورسالة يأتي في مقدمتها: "حسن المحاضرة ‏في أخبار مصر والقاهرة"، و"تاريخ الخلفاء"، و"الشماريخ في علم التاريخ"، و"تاريخ الملك ‏الأشرف قايتباي"، و"عين الإصابة في معرفة الصحابة"، و"بغية الوعاة في طبقات النحاة"، و"نظم ‏العقيان في أعيان الأعيان"، و"در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة"، و"طبقات الأصوليين".‏

ومن مؤلفاته الأخرى الطريفة: "منهل اللطايف في الكنافة والقطايف"، و"الرحمة في ‏الطب والحكمة"، و"الفارق بين المؤلف والسارق"، و"الفتاش على القشاش"، و"الرد على من أخلد ‏إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض".‏

وقد شاءت إرادة الله أن تحتفظ المكتبة العربية والإسلامية بأغلب تراث الإمام السيوطي، ‏وأن تطبع غالبية كتبه القيمة وينهل من علمه الكثيرون. ‏

تلاميذه ‏

وتلاميذ السيوطي من الكثرة والنجابة بمكان، وأبرزهم "شمس الدين الداودي" صاحب كتاب ‏‏"طبقات المفسرين"، و"شمس الدين بن طولون"، و"شمس الدين الشامي"، محدث الديار المصرية، ‏والمؤرخ الكبير "ابن إياس" صاحب كتاب "بدائع الزهور". ‏

وفاته ‏

توفي الإمام السيوطي في منزله بروضة المقياس على النيل بالقاهرة في [19 جمادى الأولى ‏‏911هـ= 20 أكتوبر 1505 م] ودفن بجواره والده. ‏

المصادر: ‏

‎•‎ جلال الدين السيوطي: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ـ تحقيق ‏محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة ـ الطبعة الأولى 1387 هـ=1967م.‏

‎•‎ مصطفى الشكعة: جلال الدين السيوطي ـ مطبعة الحلبي 1401هـ= 1981م.‏

‎•‎ عبد الحفيظ فرغلي القرني: الحفاظ جلال الدين السيوطي ـ سلسلة أعلام العرب ‏‏(37) ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1990.‏

‎•‎ محمد عبد الله عنان: مؤرخو مصر الإسلامية ـ الهيئة العامة للكتاب ـ "سلسلة ‏مكتبة الأسرة".‏

************

Go to the top of the page
 
Quote Post

16 الصفحات V   1 2 3 > » 
Reply to this topicStart new topic
1 عدد القراء الآن لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء: